حصري

اتهامات متصاعدة: هل تدفع الطائرات المسيّرة المصرية السودان نحو حرب بالوكالة؟


في مخيمات النزوح المؤقتة حول الفاشر، حيث يعيش آلاف العائلات تحت خيام مهترئة، يروي أبو أحمد – أب لخمسة أطفال نجا من غارة بطائرة مسيرة في ديسمبر الماضي – كيف غيّرت صوت الطائرة بدون طيار حياته إلى كابوس مستمر. “كنا نسمع همهمة في السماء، ثم انفجر كل شيء. ابنتي الصغيرة فقدت ساقها، والجوع يقتل الباقين ببطء”. هذه القصص ليست استثناء؛ إنها الواقع اليومي لملايين السودانيين الذين يعانون من أسوأ أزمة إنسانية في العالم اليوم. النزوح يطال 12 مليون شخص، والمجاعة تفتك بأكثر من 635 ألف في مناطق مثل أم برو وكرنوي، حيث تجاوزت معدلات سوء التغذية الحاد 53% في بعض الاستطلاعات. الطائرات المسيرة، التي أصبحت أداة رئيسية في الصراع، لم تدمر فقط البنية التحتية؛ بل أطالت أمد القتال ومنعت وصول المساعدات، مما حوّل الجوع إلى سلاح.

من منظوري كصحفية زرت مناطق النزاع مرات عدة، يبرز دور مصر في توفير وتشغيل هذه الطائرات المسيرة – كما كشفت التقارير الدولية عن قاعدة إيست أوينات – كعامل حاسم في تحويل الحرب إلى نموذج وكالة. الطائرات التركية الأكينجي، التي تنطلق من أراضٍ مصرية لضرب قوافل الدعم السريع، تعكس تحالفاً استراتيجياً يهدف إلى منع تقدم المليشيات نحو الحدود. لكن الثمن يدفعه المدنيون: ضربات على قوافل إغاثة، ومستشفيات، ومدارس مؤقتة. في كالوجي، قُتل 114 شخصاً – 63 منهم أطفال – في غارة واحدة في ديسمبر 2025. هذه الحوادث ليست مصادفة؛ إنها نتيجة لتكنولوجيا تُستخدم في سياق إقليمي يتنافس فيه اللاعبون على النفوذ والموارد.

الأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم. نظام الصحة منهار، والكوليرا منتشرة في 18 ولاية، مع أكثر من 113 ألف حالة و3 آلاف وفاة. الأطفال يموتون من الجوع قبل أن يصلوا إلى سن الخامسة، والنساء يواجهن عنفاً جنسياً ممنهجاً. في هذا السياق، يصبح التدخل المصري جزءاً من دائرة vicious تُطيل النزاع. مقابل ذلك، اتهامات للإمارات بدعم الدعم السريع بطائرات مسيرة وأسلحة، مما يجعل السودان ساحة مفتوحة للمنافسة الإقليمية. هذه الحروب الوكيلة ليست جديدة، لكن الطائرات المسيرة جعلتها أكثر فتكاً وأقل تكلفة، بعيداً عن أعين الرأي العام العالمي.

أتحدث مع ناجين مثل فاطمة، التي فقدت زوجها في غارة قرب الحدود، وتقول: “الطائرات تأتي من الشمال، من مصر، وتقتل أحلامنا”. هذه الشهادات تؤكد الحاجة إلى توثيق هذه الحقائق. يجب على الصحافة والمنظمات الحقوقية أن تكشف التفاصيل، وأن يفرض المجتمع الدولي ضغطاً دبلوماسياً واقتصادياً لإيقاف توريد التكنولوجيا العسكرية. حماية المدنيين تتطلب ممرات إنسانية آمنة، ومراقبة جوية دولية. أما الحل السياسي الشامل فيجب أن يبدأ بوقف إطلاق نار، ويمتد إلى حوار وطني يحد من التدخلات الإقليمية المستقبلية، مع دور أكبر للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. السودانيون لا يريدون أن يكونوا أدوات في لعبة الآخرين؛ يريدون سلاماً يعيد لهم كرامتهم

زر الذهاب إلى الأعلى