الإخوان المسلمون أمام اختبار أوروبي جديد بين الأمن ومخاطر التعميم
يضع النقاش الجاري في البرلمان الأوروبي حول جماعة الإخوان المسلمين أوروبا أمام اختبار بالغ الحساسية يجمع بين الأمن القومي والحريات الدينية وحرية التنظيم السياسي والمجتمع المدني.
فالجلسة المنعقدة في ستراسبورغ يوم 7 أكتوبر 2026، والتصويت المقرر في 8 أكتوبر على مشروع قرار بشأن الحاجة إلى استراتيجية أوروبية لمواجهة ما يوصف بالتغلغل الإسلامي ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين، يأتيان في وقت تتسع فيه داخل عدد من الدول الأوروبية الدعوات إلى إعادة تقييم العلاقة مع الشبكات الإسلامية السياسية. وقد أصبح السؤال المطروح أمام المشرعين الأوروبيين أكثر تحديداً: كيف يمكن مواجهة أي نفوذ تنظيمي أو أيديولوجي تعتبره المؤسسات تهديداً للديمقراطية، من دون أن يتحول ذلك إلى سياسة تستهدف المسلمين بوصفهم جماعة دينية؟
وتشير الوثائق الرسمية للبرلمان الأوروبي إلى أن الإجراء رقم 2026/2868(RSP) يتضمن مناقشة وتصويتاً في الجلسة العامة بشأن استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمواجهة “التغلغل الإسلامي” ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين، مع تحديد 8 أكتوبر موعداً للتصويت.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بسبب طبيعة المصطلحات المستخدمة في النقاش. فمصطلح “الإسلام” يشير إلى دين عالمي، بينما يشير “الإسلام السياسي” إلى تيارات ومشروعات سياسية تستخدم المرجعية الإسلامية في المجال العام، في حين أن الحديث عن “جماعة الإخوان المسلمين” يتعلق بتنظيم تاريخي له امتدادات وشبكات متعددة في بلدان مختلفة. أما وصف جهة بأنها “إرهابية” فيحمل معنى قانونياً محدداً لا يمكن استنتاجه بمجرد وجود تقارب فكري أو ديني.
ولهذا فإن الفصل بين هذه المفاهيم يمثل شرطاً أساسياً لأي استراتيجية أوروبية ناجحة. وقد أكدت مجموعة حزب الشعب الأوروبي، في موقفها المنشور بشأن التصويت، ضرورة عدم الخلط بين الإسلام كدين والإسلام السياسي كأيديولوجيا، مع الدعوة إلى حماية الحرية الدينية وسلامة المؤسسات الديمقراطية.
ومن الناحية السياسية، يرى مؤيدو الإجراءات المشددة أن الديمقراطية لا ينبغي أن تكون عاجزة عن حماية نفسها من الجهات التي قد تستخدم آلياتها للوصول إلى النفوذ ثم تعمل على تقويض مبادئها. ويستند هذا التيار إلى مفهوم “الديمقراطية الدفاعية”، الذي يسمح للدول الديمقراطية باتخاذ إجراءات ضد الجهات التي تثبت ممارستها نشاطاً يتعارض مع النظام الدستوري أو الأمن العام.
غير أن تطبيق هذا المفهوم يحتاج إلى ضوابط صارمة. فالديمقراطية الدفاعية لا تعني معاقبة الأفكار المخالفة أو المعتقدات الدينية، وإنما التعامل مع الأفعال التي تشكل انتهاكاً للقانون أو تهديداً مثبتاً للنظام الديمقراطي. وهذا الفارق ضروري في الحالة الأوروبية، حيث يعيش ملايين المسلمين كمواطنين يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها سائر المواطنين.
وقد حذرت أصوات سياسية وحقوقية من أن استخدام مفهوم “شبكات الإخوان” بصورة فضفاضة يمكن أن يؤدي إلى إدخال مؤسسات مدنية متعددة في دائرة الاشتباه دون وجود أدلة مباشرة على ارتباطها بالتنظيم. وذهبت تحليلات منشورة في “EUobserver” إلى انتقاد ما وصفته بخطر تجريم النشاط المدني الإسلامي أو الحقوقي المشروع بسبب استخدام تعريفات واسعة.
وتكشف هذه الاعتراضات عن التحدي الحقيقي أمام البرلمان: ليس السؤال ما إذا كانت أوروبا تريد مكافحة التطرف، فهذا هدف معلن ومشترك، وإنما السؤال هو أين تبدأ حدود التطرف، وكيف يمكن إثبات العلاقة التنظيمية، وما المعايير التي تفصل بين العمل المدني المشروع وبين النشاط السياسي السري أو المتطرف.
ومن هنا تبرز أهمية الأدلة. فأي سياسة أوروبية جديدة ينبغي أن تستند إلى معلومات قابلة للتحقق بشأن مصادر التمويل، والهيكل التنظيمي، والعلاقات العابرة للحدود، وطبيعة النشاط، والالتزام بالقوانين الوطنية والأوروبية. كما ينبغي أن تكون هناك آلية للطعن والمراجعة القضائية، بحيث لا يصبح الاشتباه وحده سبباً للعقوبة.
وتكتسب مسألة التمويل أهمية إضافية في هذا السياق. فالمطالب التي طرحتها بعض القوى البرلمانية تدعو إلى منع الأموال الأوروبية من الوصول إلى جهات مرتبطة بشبكات إسلامية سياسية إذا ثبت ارتباطها بأنشطة تتعارض مع القواعد الأوروبية، مع زيادة الشفافية حول المستفيد النهائي من التمويل.
ويطرح هذا الأمر سؤالاً آخر يتعلق بالمنظمات غير الحكومية. فالمجتمع المدني الأوروبي يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل العام لتنفيذ مشاريع في مجالات الشباب والتعليم ومكافحة التمييز والاندماج الاجتماعي. وإذا تحولت الرقابة على التمويل إلى عملية تستند إلى الهوية أو الانتماء الديني، فقد تتضرر مشاريع لا علاقة لها بالتطرف.
أما إذا استندت الرقابة إلى معايير مالية وتنظيمية واضحة، فإنها يمكن أن تصبح أداة فعالة لحماية المال العام. ولذلك فإن التحدي ليس في مبدأ الرقابة، وإنما في طريقة تطبيقها.
ومن الناحية الأمنية، يركز مؤيدو الإجراءات على فكرة أن التنظيمات الحديثة يمكن أن تستخدم أدوات متعددة لبناء النفوذ، ولا تعتمد بالضرورة على الهياكل السرية التقليدية. وقد تشمل هذه الأدوات المؤسسات التعليمية والثقافية والجمعيات والشبكات الإعلامية والمنصات الرقمية. لكن هذا الطرح يحتاج إلى التمييز بين الاستخدام الطبيعي لهذه الأدوات وبين توظيفها في مشروع تنظيمي غير قانوني.
فالمنظمة التي تعمل في مجال التعليم أو الثقافة ليست بالضرورة منظمة سياسية، كما أن وجود خطاب ديني في مؤسسة مدنية لا يعني وجود نشاط متطرف. لذلك ينبغي أن تكون عملية التقييم مرتبطة بالسلوك والأدلة، وليس بالانطباعات أو التعميمات.
ويأتي هذا النقاش في سياق أوروبي أوسع. فقد شهد عام 2026 أسئلة برلمانية متعددة حول احتمال إدراج الإخوان المسلمين على قائمة الإرهاب الأوروبية، فيما استند بعض أصحاب هذه المبادرات إلى تحركات فرنسية وإلى نقاشات وطنية حول الإسلام السياسي.
كما أن مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين أعلنت بوضوح أنها تريد إدراج جماعة الإخوان المسلمين وشبكتها على قائمة المنظمات الإرهابية الأوروبية، إلى جانب تشديد الرقابة على المؤسسات المرتبطة بها ومصادر تمويلها ووصولها إلى الأموال العامة والمؤسسات الأوروبية.
لكن الموقف المقابل يرى أن التصنيف الإرهابي يجب ألا يصبح نتيجة تلقائية لقرار سياسي أو تقييم أيديولوجي. فالقائمة الأوروبية للإرهاب لها آثار قانونية واسعة، ولذلك ينبغي أن تستند عملية الإدراج إلى المعايير والإجراءات القانونية ذات الصلة.
وتشير الوثائق الرسمية للبرلمان إلى أن القرار المطروح في 8 أكتوبر هو قرار بشأن موضوع راهن، وليس قراراً نهائياً بإدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الإرهاب. وهذه نقطة مهمة في قراءة نتائج التصويت، لأن التصويت البرلماني يمكن أن يغير اتجاه النقاش السياسي ويدفع المفوضية والدول الأعضاء إلى خطوات إضافية، لكنه لا يساوي وحده قراراً قانونياً بالإدراج.
وعلى المستوى المجتمعي، يمكن أن تكون نتائج الخطاب السياسي أكثر أهمية من النص القانوني نفسه. فالمسلمون الأوروبيون قد يراقبون النقاش خشية أن يؤدي إلى تعميم الاتهامات عليهم، بينما تخشى الحكومات الأوروبية من أن يؤدي تجاهل بعض الشبكات المتطرفة إلى تعزيز نفوذها. ولذلك فإن اللغة المستخدمة في الخطاب الرسمي ستكون عاملاً حاسماً.
ويمكن للمؤسسات الأوروبية تقليل مخاطر الاستقطاب من خلال التأكيد بصورة متكررة على أن الإسلام ليس موضوع الاستهداف، وأن المسلمين كمواطنين لا يتحملون مسؤولية أنشطة أي تنظيم سياسي، وأن الإجراءات تستهدف فقط الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن مخالفات أو أنشطة تهدد الأمن والديمقراطية.
كما يمكن تعزيز الثقة من خلال إشراك مؤسسات المجتمع المدني المعتدلة في النقاش، بما في ذلك المنظمات التي تعمل على مكافحة التطرف والتطرف العنيف والتمييز في الوقت نفسه. فمحاربة التطرف لا تنجح فقط من خلال الرقابة، وإنما تحتاج أيضاً إلى بناء بدائل اجتماعية وفكرية تمنع الاستقطاب.
أما على المستوى الأوروبي، فإن الاختبار الأكبر سيكون في قدرة الدول الأعضاء على الاتفاق على تعريفات مشتركة. فغياب تعريف موحد قد يؤدي إلى اختلاف كبير في طريقة التعامل مع المنظمات ذاتها من دولة إلى أخرى. وقد تصبح المؤسسة قانونية في دولة، بينما تواجه قيوداً في دولة أخرى، وهو ما يزيد تعقيد المشهد.
ومن المتوقع أن يؤدي التصويت في البرلمان الأوروبي إلى إظهار خريطة سياسية جديدة بشأن الملف. فإذا حصلت المقاربة المتشددة على أغلبية واسعة، فقد تتزايد الضغوط باتجاه تدقيق التمويل وتقييم العلاقات التنظيمية وربما الدفع نحو إجراءات قانونية لاحقة. أما إذا ظهرت انقسامات كبيرة، فقد يتجه البرلمان إلى صياغة أكثر حذراً تركز على الشفافية والتمويل ومكافحة الإرهاب دون تبني توصيفات واسعة.
وفي الحالتين، فإن النقاش الأوروبي حول الإخوان المسلمين تجاوز مرحلة التصريحات العامة. لقد دخل إلى مساحة السياسات العامة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن مع القانون والتمويل وحقوق الإنسان. ولذلك فإن نجاح أي سياسة أوروبية لن يقاس بمدى تشددها، وإنما بقدرتها على استهداف المخاطر الحقيقية بدقة، وحماية المؤسسات الديمقراطية من دون التضحية بالمبادئ التي تقوم عليها.
إن أوروبا أمام معادلة دقيقة: حماية المجتمع من التنظيمات التي تستخدم الديمقراطية ضد الديمقراطية، وفي الوقت ذاته حماية الديمقراطية نفسها من التحول إلى منظومة رقابة تستهدف الهوية الدينية أو النشاط المدني المشروع. وبين هذين الحدين سيحدد البرلمان الأوروبي، من خلال تصويته ونقاشاته اللاحقة، جزءاً مهماً من ملامح السياسة الأوروبية تجاه الإسلام السياسي والشبكات العابرة للحدود خلال السنوات المقبلة.
