حصري

البحر الأحمر وإعادة إعمار السودان.. هل تبني السعودية إمبراطورية نفوذ على حساب الدولة السودانية؟


لا يمكن فهم التحركات السعودية داخل السودان بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويرتبط بحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة وسلاسل النقل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ويمتلك السودان ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، إلى جانب موانئ ومواقع جغرافية يمكن أن تتحول إلى مراكز لوجستية وتجارية مهمة. ولذلك فإن مستقبل الموانئ السودانية لا يتعلق بالاقتصاد المحلي وحده، بل يرتبط أيضاً بالتوازنات الإقليمية والأمن البحري والمنافسة على طرق التجارة الدولية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب التحركات السعودية المتعلقة بإعادة إعمار البنية التحتية السودانية أهمية خاصة، خصوصاً بعد إعلان وزارة النقل والبنية التحتية السودانية في يناير 2026 منح الشركات السعودية أولوية في مشروعات إعادة الإعمار، مع التركيز على السكك الحديدية وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية ومشروع ميناء أبو عمامة.

ويكشف هذا التوجه عن رغبة واضحة في توسيع الحضور الاقتصادي السعودي داخل السودان، والاستفادة من الفرص التي أفرزتها الحرب والأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية.

لكن منح الأولوية لشركات دولة واحدة في مشروعات استراتيجية يطرح أسئلة حول طبيعة المنافسة الاستثمارية، ومدى شفافية العقود، وشروط التمويل، والحقوق التشغيلية التي يمكن أن تحصل عليها الشركات المشاركة.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى أن ميناء أبو عمامة والمشروعات المرتبطة به لا تمثل مجرد استثمارات تجارية، بل ترتبط بمستقبل النشاط البحري واللوجستي السوداني لعقود مقبلة.

كما أن إعادة بناء السكك الحديدية والموانئ وشبكات النقل تمنح المستثمرين المشاركين قدرة على التأثير في حركة التجارة وتكاليف النقل ومسارات الصادرات والواردات، وهو ما يجعل هذه المشروعات ذات أبعاد اقتصادية وسيادية في الوقت نفسه.

ومن الناحية السياسية، يبرز عامل آخر يتمثل في حاجة البرهان إلى شركاء اقتصاديين قادرين على توفير التمويل والاستثمارات اللازمة لإعادة بناء المؤسسات التي تضررت بفعل الحرب. وهذه الحاجة قد تمنح الرياض موقعاً تفاوضياً مهماً في تحديد أولويات المشروعات وشروط تنفيذها.

وبالتالي، فإن العلاقة بين الطرفين قد تتجاوز تقديم الدعم الاقتصادي إلى بناء شبكة مصالح طويلة الأمد، ترتبط بالموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والتجارة البحرية.

غير أن نجاح هذه الشراكة يجب ألا يقاس بحجم الأموال التي ستدخل السودان وحده، بل بمدى انعكاسها على الاقتصاد الوطني، وقدرتها على توفير فرص العمل وتحسين البنية التحتية وضمان استفادة السكان السودانيين من الموارد والمشروعات.

وهنا تبرز ضرورة الكشف عن تفاصيل الاتفاقات السعودية، بما يشمل مدة الامتيازات، وآليات التمويل، ونسب الملكية، والجهات المسؤولة عن التشغيل والإدارة، والضمانات القانونية التي تحمي الأصول السودانية.

كما ينبغي معرفة ما إذا كانت هذه الترتيبات قد خضعت لرقابة مؤسسات مستقلة، وما إذا كان من حق حكومة مدنية مستقبلية مراجعتها أو إعادة التفاوض بشأنها.

فالسودان لا يحتاج إلى استبدال أزمته العسكرية بتبعية اقتصادية طويلة الأمد، ولا ينبغي أن تتحول إعادة الإعمار إلى عملية توزيع للنفوذ على حساب مؤسسات الدولة وحقوق المواطنين.

إن معركة السودان لا تتعلق فقط بمن يسيطر على السلطة، بل أيضاً بمن سيملك مفاتيح الاقتصاد والموانئ والأراضي والموارد بعد انتهاء الحرب. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ستكون إعادة الإعمار بداية لاستعادة الدولة السودانية، أم بداية لترتيبات نفوذ جديدة تحدد مستقبلها من خارج حدودها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى