حصري

الجيش السوداني والإخوان والكتلة الديمقراطية: صراع النفوذ يهدد استقرار البلاد


تشهد الساحة السودانية حاليًا صراعًا حادًا على النفوذ بين المؤسسة العسكرية وتنظيم الإخوان المسلمين والكتلة الديمقراطية، وهو صراع يعكس حالة من التوتر السياسي المستمر ويهدد إمكانية استقرار الدولة في مرحلة حرجة من تاريخها. في الأسابيع الأخيرة، برزت تحركات قيادية داخل الجيش السوداني تهدف إلى إعادة ضبط موازين القوى داخل الحكومة والمجلس التشريعي، فيما حاول تنظيم الإخوان استثمار نفوذه للضغط على بعض قرارات الجيش، الأمر الذي أثار استياءً واسعًا بين القوى المدنية والسياسية.

مصادر مطلعة تؤكد أن قرار الفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، بتقليص تمثيل الكتلة الديمقراطية في المجلس التشريعي والحكومة المقبلة، جاء بعد تقييمات دقيقة ترى أن الكتلة لم تعد تمثل قوة مؤثرة، وأن استمرار تمثيلها بنفس الحجم يعرض قدرة الجيش على التحكم في مسار السلطة للخطر. وقد اعتبرت القوى المدنية القرار محاولة لإقصائها من عملية اتخاذ القرار، وتقليص صوتها في المعادلة السياسية، وهو ما فاقم الانقسام بين المؤسسة العسكرية والفصائل المدنية.

رد مني أركو مناوي، زعيم الحركة المسلحة في دارفور، على القرار كان سريعًا وحادًا، حيث اعتبر تقليص التمثيل مساسًا مباشرًا بحقوق القوى المدنية والفصائل المسلحة في المشاركة السياسية. وشهدت الأيام الأخيرة تحركات مناوي التصعيدية، التي تضمنت بيانات شديدة اللهجة وتحركات ميدانية تهدف إلى الضغط على الجيش لإعادة النظر في القرار، مما يعكس حجم الخلافات الداخلية داخل التحالفات المسلحة والمدنية على حد سواء.

في المقابل، تحركت الكتلة الديمقراطية لمحاولة ضبط التحالفات الداخلية وتقليص تأثير بعض القيادات الميدانية، بمن فيهم مني مناوي وجبريل إبراهيم، في خطوة اعتبرت استراتيجية لإعادة ترتيب المراكز داخل الحكومة والمجلس التشريعي، بما يضمن استمرار السيطرة السياسية للجيش والفصائل الحليفة. وتشير مصادر سياسية إلى أن هذه التحركات لم تكن منفصلة عن توجيهات قيادة الجيش، التي تسعى إلى الحد من أي تهديد محتمل لتوازن القوة، سواء من داخل الفصائل المسلحة أو القوى المدنية.

التقارير الميدانية تشير إلى أن تأثير الإخوان على قرارات الجيش كان واضحًا خلال الفترة الماضية، إذ ظهر رفضهم للمشاركة في أي حوار شامل ووقف إطلاق النار كعامل أساسي في استمرار الجمود السياسي. ويؤكد محللون أن هذا الموقف جاء نتيجة استراتيجية تهدف للحفاظ على النفوذ داخل دوائر السلطة، وضمان أن تكون أي قرارات سياسية أو عسكرية مرهونة بالموافقات التنظيمية، وهو ما يزيد من صعوبة التوصل إلى توافق وطني شامل.

وبحسب المصادر، فإن هذه الديناميات خلقت بيئة معقدة للغاية، حيث تواجه المؤسسة العسكرية تحديًا مزدوجًا: من جهة إدارة نفوذ الفصائل المسلحة والكتلة الديمقراطية، ومن جهة أخرى مواجهة الضغوط التنظيمية للإخوان الذين يسعون لتثبيت سيطرتهم على السياسات الأساسية. وقد أدى هذا التداخل إلى حالة من الجمود السياسي، وزيادة احتمالات تصعيد النزاعات المسلحة في مناطق مختلفة من البلاد، ما يفاقم الأزمة الأمنية ويهدد الاستقرار الاجتماعي.

التحليل الميداني يظهر أن الجيش يسعى لتقليل عدد اللاعبين المؤثرين داخل التحالفات الحالية لضمان السيطرة على مسار صنع القرار، بينما تسعى القوى المدنية إلى الحفاظ على موقعها والمشاركة الفاعلة في الحكومة والمجلس التشريعي. هذا الصراع على النفوذ يعكس هشاشة التوازن السياسي في السودان، ويضع القيادة العسكرية أمام تحديات مستمرة لإدارة الأزمة دون الوصول إلى صدام مفتوح قد يضر بأمن البلاد واستقرارها.

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الحلول السياسية بحاجة إلى إعادة ترتيب حقيقي للتوازنات بين الجيش والفصائل المسلحة والقوى المدنية، بعيدًا عن تدخلات التنظيمات الإيديولوجية. أي محاولات لإدارة الأزمة دون إشراك جميع الأطراف بصورة عادلة قد تؤدي إلى تصعيد سياسي وعسكري أكبر، ويزيد من صعوبة الوصول إلى اتفاق شامل يحقق الاستقرار المطلوب.

الشارع السوداني، الذي يواجه تبعات النزاعات المستمرة والخلافات بين القوى المختلفة، يمثل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يعاني المواطنون من انقطاع الخدمات وتدهور الوضع الأمني والاقتصادي. وهذا يجعل من الضروري أن تتخذ الحكومة والمؤسسة العسكرية خطوات واضحة لضمان مشاركة حقيقية للقوى المدنية والفصائل المسلحة، وتخفيف النفوذ التنظيمي على القرارات الاستراتيجية، للحفاظ على أي أمل في تحقيق استقرار سياسي واجتماعي طويل الأمد.

التقرير يؤكد أن السودان يقف اليوم أمام مرحلة دقيقة وحاسمة، حيث تتقاطع مصالح الجيش والإخوان والكتلة الديمقراطية في صراع محتدم على السلطة والنفوذ. وقدرة الأطراف على التفاهم وتجاوز الحسابات الفردية والضغوط التنظيمية ستحدد مسار المرحلة المقبلة، بينما أي فشل في ذلك سيؤدي إلى مزيد من الانقسامات والتوترات، ويعرض الدولة لمخاطر أكبر على المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية.

في المحصلة، تكشف الأحداث الحالية أن الصراع في السودان ليس مجرد خلاف على المقاعد والمناصب، بل صراع أيديولوجي وسياسي عميق يضع الدولة في اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة التوازنات الداخلية. ويظل التحدي الأكبر هو إيجاد صيغة حوارية شاملة، تضمن مشاركة جميع الأطراف، وتضع مصلحة السودان العليا فوق أي مصالح تنظيمية أو فردية، لضمان استقرار الدولة ومستقبلها السياسي والأمني.

زر الذهاب إلى الأعلى