حصري

الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني.. من الهامشية إلى مركز الشبكة اللوجستية


في تحول جيوسياسي وعسكري لافت، لم يعد السودان مجرد ساحة لتلقي الدعم الإيراني المحدود، بل بات حلقة مركزية في شبكة معقدة تربط طهران بجماعة الحوثي في اليمن. يكشف تقرير حديث صادر عن مؤسسة «ذا سنتشري فاونديشن» الأميركية عن عمق هذا التحول، مستنداً إلى معطيات ميدانية واستخباراتية تؤكد أن الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني تجاوز مرحلة التزويد التقليدي بالأسلحة، ليصل إلى حد بناء شبكة لوجستية وتدريبية متكاملة. هذا المقال يستعرض أبعاد هذا الدعم العسكري، وآلياته، والجهات الفاعلة فيه، وكيف أعادت إيران تموضعها في السودان عبر بوابة الحرب الدائرة منذ أبريل 2023.
السياق التاريخي وعودة العلاقات
لفهم طبيعة الدعم العسكري الإيراني الحالي، لا بد من العودة إلى الوراء. فقد كانت إيران تتمتع بعلاقات وثيقة مع نظام الرئيس السابق عمر البشير، حيث تعاونت مع الجيش والأجهزة الأمنية ومنظومة الصناعات الدفاعية السودانية. إلا أن هذا التحالف شهد قطيعة دراماتيكية في عام 2016، عندما قطعت الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية مع طهران في سياق اصطفاف إقليمي واضح إلى جانب المملكة العربية السعودية. غير أن اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 مثل فرصة ذهبية لطهران. ففي الوقت الذي كان فيه الجيش السوداني يعاني من نقص حاد في القدرات الجوية والمسيّرات لمواجهة الانتشار الواسع لقوات الدعم السريع، استأنفت الخرطوم وطهران علاقاتهما الدبلوماسية في أكتوبر 2023. هذه الاستئناف لم يكن دبلوماسياً فحسب، بل كان غطاءً لتدفق دعم عسكري مباشر ومنخفض التكلفة لإيران، بهدف استعادة نفوذها المفقود في بلد ظل لعقود إحدى ساحات نشاطها الإقليمي.
طبيعة الدعم العسكري: المسيّرات والرادارات والخبراء
لم يعد الدعم الإيراني يقتصر على التصريحات السياسية، بل تجسد على الأرض عبر تزويد الجيش السوداني بطائرات «مهاجر-6» المسيّرة، وهي منظومة متطورة تمنح القوات المسلحة قدرة على الاستطلاع والضربات الدقيقة. بالإضافة إلى ذلك، شملت الشحنات الإيرانية ذخائر متقدمة وأنظمة رادار تعزز من القدرات الدفاعية والهجومية للجيش. الأخطر من مجرد نقل العتاد، هو العنصر البشري. يؤكد التقرير أن إيران لم تكتفِ بإرسال الأسلحة، بل أرسلت عناصر من الحرس الثوري الإيراني للعمل كمدربين ومشغلين لهذه المنظومات العسكرية المعقدة. هذا التواجد المباشر للخبراء الإيرانيين يشير إلى نية طهران في بناء قدرات مستدامة داخل الجيش السوداني، تضمن ولاءً أعمق وتأثيراً طويل الأمد يتجاوز مجرد صفقة أسلحة عابرة.
الذراع التنفيذي: منظومة الصناعات الدفاعية والفصيل الإسلامي
لم يمر هذا الدعم عبر القنوات الرسمية للجيش السوداني فحسب، بل وجد له مساراً موازياً يعبر عن مصالح فصيل أيديولوجي محدد. يضع التقرير منظومة الصناعات الدفاعية السودانية في قلب هذه الشبكة، مشيراً إلى الدور المحوري لمديرها العام، ميرغني إدريس سليمان. هذا الفصيل، المرتبط بعناصر الحركة الإسلامية التي حكمت البلاد في عهد البشير، احتفظ بمواقع مؤثرة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية بعد سقوط النظام في 2019. وقد أدت هذه الشبكة الداخلية دوراً حاسماً في توجيه الدعم الإيراني، بل وتوسيعه ليشمل مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش، مثل «لواء البراء بن مالك». هذا التوجيه يوضح أن الدعم الإيراني لا يهدف فقط إلى تقوية المؤسسة العسكرية الرسمية، بل يمتد إلى بناء نفوذ مباشر داخل الفصائل الأيديولوجية المسلحة، مما يخلق طبقة من الحلفاء المباشرين لطهران داخل التحالف العسكري الحاكم في السودان.
التصنيع المحلي ونقل المعرفة: مسيّرة «سفاروق» نموذجاً
من أبرز تجليات هذا الدعم العسكري الإيراني نقل المعرفة التقنية. لم تعد السودان مكتفية باستيراد المسيّرات، بل بدأت في تصنيعها محلياً بمساعدة خبراء إيرانيين وحوثيين. تجلى هذا في الطائرة المسيّرة «سفاروق»، التي كشفت عنها منظومة الصناعات الدفاعية في معرض إسطنبول عام 2025. المقارنة الفنية التي أجراها التقرير بين «سفاروق» والطائرة الإيرانية «أبابيل-T» (والتي يستخدمها الحوثيون باسم «قاصف-2K») كشفت عن تطابق شبه كامل في التصميم، الأبعاد، نوع المحرك، وقدرة الرأس الحربي. هذا التطابق ليس صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لتواجد خبراء حوثيين وإيرانيين في بورتسودان، يعملون على تدريب القوات السودانية على تشغيل هذه المسيّرات وتصنيعها باستخدام مكونات تُشترى من الأسواق العالمية. هذا النقل للتكنولوجيا يجعل من السودان مصنعاً إقليمياً محتملاً للمسيّرات في المستقبل.
إن الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني يمثل نقلة نوعية في الاستراتيجية الإيرانية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. من خلال استغلال الحرب الداخلية، وتوظيف الفصيل الإسلامي داخل الجيش، ونقل التكنولوجيا العسكرية، نجحت طهران في تحويل السودان من حلقة هامشية إلى مركز لشبكة إقليمية معقدة. هذا الدعم لا يهدف فقط إلى حسم المعركة ضد قوات الدعم السريع، بل يهدف إلى ترسيخ نفوذ إيراني دائم يهدد أمن المنطقة ويعيد رسم معادلات القوة في البحر الأحمر.
زر الذهاب إلى الأعلى