حصري

السودان بين التوازن العسكري ونفوذ الإخوان: صراع مستمر على القرار


يشهد السودان اليوم مرحلة سياسية دقيقة، حيث تتشابك القوى العسكرية مع الأحزاب المدنية والفصائل المسلحة في صراع مستمر على النفوذ والقرار، وسط تأثير متزايد لتنظيم الإخوان المسلمين على بعض خيارات المؤسسة العسكرية. هذا الوضع خلق حالة من القلق بين القوى السياسية والمدنية، التي ترى أن التدخل التنظيمي يقوض أي محاولات للحوار الوطني ويؤثر على استقرار الدولة، ويزيد من التوتر في مناطق النزاع، مما يعكس هشاشة المشهد السياسي برمته.

تبدو الخطوات الأخيرة للمؤسسة العسكرية، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، في إطار تقليص تمثيل الكتلة الديمقراطية في المجلس التشريعي والحكومة المقبلة، كإجراء استراتيجي لإعادة ضبط ميزان القوى داخل المعسكر الحاكم. القرار أثار استياءً واسعًا داخل الأوساط المدنية، حيث اعتبرته محاولة لإضعاف قدرة الكتلة الديمقراطية على التأثير في صياغة السياسات، وتقليل فرصها في الدفاع عن مصالح المواطنين السودانيين في هذه المرحلة الحساسة. وبالرغم من مبررات الجيش التي تشير إلى محدودية التأثير السياسي للكتلة، إلا أن الخطوة فُسرت من قبل القوى المدنية على أنها إقصاء سياسي ممنهج.

رد مني أركو مناوي، زعيم الحركة المسلحة في دارفور، على هذه الخطوة كان صريحًا وعنيفًا، حيث اعتبرها تهديدًا مباشرًا للتوازنات السياسية القائمة. لم يقتصر رد الفعل على البيانات، بل شمل تحركات ميدانية وبرامج ضغط سياسي استهدفت التأكيد على أن أي تعديل في مراكز النفوذ لن يمر دون اعتراض. هذا الموقف يعكس عمق الانقسام بين الجيش والفصائل المسلحة، ويظهر أن أي محاولات لإعادة ترتيب السلطة تواجه مقاومة محتملة من داخل التحالفات المسلحة والمدنية على حد سواء.

في المقابل، تحركت الكتلة الديمقراطية بمحاولات لإعادة ترتيب القوى الداخلية وتحجيم دور بعض الشخصيات المؤثرة، بمن فيهم مني مناوي وجبريل إبراهيم، ضمن استراتيجية تهدف لضبط التحالفات السياسية والحفاظ على التوازن بين الجيش والفصائل المسلحة. هذا التحرك يظهر أن الصراع في السودان لا يقتصر على القوى العسكرية أو الإخوان، بل يمتد إلى الداخل السياسي للكتلة نفسها، حيث تتقاطع المصالح الفردية مع الاستراتيجية العامة للتحالفات.

التأثير الأيديولوجي للإخوان على قرارات الجيش لم يعد خافيًا، إذ تشير مصادر سياسية إلى أن رفض المشاركة في الحوار ووقف إطلاق النار كان نتيجة ضغط تنظيمي محدد، يسعى لتثبيت النفوذ وضمان السيطرة على مسار صنع القرار. وهذا ما يضع السودان في مأزق حقيقي: فبين الجيش الذي يسعى لإدارة موازنات القوى، والإخوان الذين يحاولون الحفاظ على نفوذهم، والقوى المدنية التي تتعرض للتهميش، تصبح العملية السياسية في حالة من الجمود المستمر، مع احتمال تصاعد التوترات في أي لحظة.

يبقى الشارع السوداني الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يعاني من تبعات الخلافات بين القوى المختلفة، سواء من خلال استمرار النزاعات المسلحة أو من خلال ضعف الخدمات وإعاقة الإصلاحات. وكل محاولة لحل الأزمة تتطلب توافقًا واسعًا، وإلا فإن أي خطوة أحادية قد تؤدي إلى تصعيد شامل. من هنا، يبدو أن الحل الوحيد لتحقيق استقرار مؤقت وفعلي يمر عبر حوار شامل بين الجيش والفصائل المسلحة والقوى المدنية، مع تقليل النفوذ التنظيمي الضاغط على قرارات الدولة.

إن ما يميز الوضع الراهن في السودان هو تعقيد العلاقات بين الحلفاء داخل المؤسسة العسكرية والفصائل المسلحة، حيث كل طرف يسعى لتثبيت موقعه قبل أي تسوية مستقبلية. وهذه الديناميكية تجعل أي مفاوضات أو حلول سياسية محدودة الأفق، إذ أن الخلافات الداخلية تضيف طبقات جديدة من التعقيد تجعل من الصعب التوصل إلى توافق مستدام. لذلك، فإن إدارة الأزمة تتطلب حكمة سياسية واستراتيجية واضحة من الجيش والقوى المدنية، لضمان عدم انهيار أي توافق موجود، أو تفاقم الأزمة إلى صراع مفتوح قد يهدد الدولة بأكملها.

زر الذهاب إلى الأعلى