الكوليرا تتسع في جمهورية الكونغو الديمقراطية وسط استنزاف النظام الصحي بمواجهة إيبولا
تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية أزمة صحية مركبة مع استمرار انتشار الكوليرا في مناطق متعددة، في وقت تكافح فيه السلطات الصحية وشركاؤها وباء إيبولا الذي يضغط على قدرات المستشفيات وفرق الاستجابة. وفي تحذير نشرته الأمم المتحدة في 14 أكتوبر 2026، قالت منظمة الصحة العالمية إن البلاد سجلت أكثر من 125 ألف حالة كوليرا مشتبه بها و3,644 وفاة مشتبه بها خلال الفترة الممتدة من يناير 2025 حتى نهاية سبتمبر 2026. وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق الأزمة، لكنها تمثل حالات مشتبه بها وليست بالضرورة حالات مؤكدة مخبرياً.
وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز حدود الكونغو الديمقراطية، لأن الأوبئة لا تنتشر بمعزل عن الظروف الاجتماعية والأمنية والاقتصادية. فالحصول على المياه النظيفة، وتوافر المرافق الصحية، والقدرة على نقل المرضى، والوصول إلى العلاج في الوقت المناسب، كلها عوامل تحدد مدى قدرة المجتمعات على احتواء العدوى. وعندما تتراجع هذه العناصر، يصبح المرض الذي يمكن الوقاية منه أو علاجه أكثر قدرة على حصد الأرواح، خصوصاً في المناطق التي تعاني الفقر والنزوح وانعدام الاستقرار.
ولا تنحصر المشكلة في وجود مرضين في البلد نفسه، بل في التنافس على الموارد المحدودة. فمكافحة إيبولا تتطلب مراقبة الحالات وتتبع المخالطين وعزل المصابين وتوفير الرعاية المتخصصة، بينما تحتاج مكافحة الكوليرا إلى تحسين المياه والصرف الصحي، وتوفير محاليل الإماهة والعلاج الطبي، وتعزيز النظافة والتوعية، إلى جانب حملات التطعيم حيث تكون مناسبة. وإذا اضطرت السلطات إلى توجيه موارد إضافية إلى أحد الوباءين، فإن الخدمات الأخرى قد تواجه ضغوطاً أكبر ما لم تحصل على دعم إضافي.
وتشير المعطيات المنشورة في 14 أكتوبر إلى أن حالات الكوليرا المشتبه بها المسجلة منذ بداية عام 2026 تجاوزت 51,412 حالة، من بينها 1,487 وفاة مشتبه بها، في 21 مقاطعة. كما أظهرت بيانات الترصد للأسبوع الممتد من 21 إلى 28 سبتمبر تسجيل 2,932 حالة مشتبه بها و86 وفاة، مقارنة بـ2,506 حالات و62 وفاة في الأسبوع السابق. وتدل هذه الزيادة الأسبوعية على ضرورة تسريع الاستجابة، مع الانتباه إلى أن بيانات الترصد قد تتأثر بتفاوت القدرة على اكتشاف الحالات والإبلاغ عنها بين منطقة وأخرى.
لماذا تنتشر الكوليرا بهذه السرعة؟
الكوليرا مرض معوي حاد تسببه بكتيريا تنتقل غالباً عبر الماء أو الطعام الملوث. ويمكن أن تؤدي العدوى إلى إسهال مائي شديد وفقدان سريع للسوائل والأملاح، ما يجعل بعض الحالات تتدهور خلال ساعات إذا لم تحصل على العلاج. وتكمن خطورة المرض في أن الوقاية منه تعتمد إلى حد كبير على خدمات أساسية قد لا تكون متاحة بصورة منتظمة في المناطق المتضررة من النزاعات أو الفقر أو ضعف البنية التحتية.
ويُعد الحصول على مياه مأمونة أحد أهم عناصر الوقاية. فعندما تستخدم الأسر آباراً أو مصادر مياه غير محمية، قد تتلوث المياه بمخلفات بشرية تحمل البكتيريا المسببة للمرض. ويمكن للأمطار أن تنقل الملوثات إلى مصادر المياه، خصوصاً عندما تكون شبكات الصرف الصحي ضعيفة أو غير موجودة، أو عندما تتضرر المرافق بسبب الفيضانات أو غياب الصيانة.
ولا يعني ذلك أن الأمطار وحدها تسبب الكوليرا، بل إن الخطر ينشأ من تفاعل الظروف البيئية مع ضعف خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة. فالمياه التي تبدو نظيفة ظاهرياً قد تحمل ملوثات لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وقد يؤدي تخزين المياه في أوعية غير نظيفة إلى إعادة تلويثها بعد جمعها.
وتواجه الأسر الفقيرة تحديات إضافية عندما تضطر إلى شراء المياه أو قطع مسافات طويلة للحصول عليها. وقد لا تستطيع بعض العائلات غلي المياه أو معالجتها بصورة منتظمة، كما قد يصعب عليها توفير الصابون والمواد اللازمة لتنظيف الأوعية والمراحيض. وفي مثل هذه الظروف، لا تكفي التوعية الصحية وحدها ما لم تترافق مع خدمات عملية يستطيع السكان استخدامها يومياً.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الحد من انتشار الكوليرا يتطلب الجمع بين الوصول إلى العلاج السريع وتوفير المياه الآمنة والصرف الصحي والنظافة. فالعلاج ينقذ حياة المصاب، بينما تحد الإجراءات الوقائية من انتقال العدوى إلى أشخاص آخرين. وإذا غاب أحد هذين المسارين، فقد تستمر الإصابات حتى بعد معالجة عدد كبير من المرضى.
المقاطعات الأكثر تضرراً وصعوبات الوصول إلى العلاج
بحسب التقرير المنشور في 14 أكتوبر، تتركز نسبة كبيرة من حالات الكوليرا المشتبه بها في مقاطعات جنوب كيفو وشمال كيفو وهوت كاتانغا، التي تمثل مجتمعة قرابة 60 في المئة من الحالات المبلغ عنها. كما سُجلت إصابات في مناطق صحية جديدة خلال فترة الترصد الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن الاستجابة تحتاج إلى متابعة مستمرة، لا إلى التركيز على المواقع التي ظهر فيها المرض أولاً فقط.
وتواجه المناطق الشرقية من البلاد تحديات أمنية ولوجستية تعرقل عمل الفرق الصحية. ففي بعض المناطق، يحد انعدام الأمن من قدرة العاملين على الوصول إلى المرضى أو إجراء الفحوصات أو متابعة المخالطين. وقد تعني المسافة بين القرى والمرافق الصحية أن المريض يحتاج إلى ساعات طويلة للوصول إلى العلاج، وهي فترة قد تكون حاسمة عندما يتسبب المرض في فقدان سريع للسوائل.
وتتضاعف المشكلة عندما لا تتوافر وسائل نقل مناسبة أو عندما ترتفع كلفة التنقل. فقد تؤجل الأسرة نقل المصاب بسبب الخوف أو نقص المال أو عدم معرفة خطورة الأعراض. وقد يصل المريض إلى المرفق الصحي بعد أن أصبح الجفاف شديداً، فتزداد صعوبة العلاج ويحتاج إلى تدخل طبي أكثر كثافة.
كذلك، فإن اتساع رقعة البلاد وتفاوت البنية التحتية بين المقاطعات يجعلان توزيع الإمدادات الطبية تحدياً كبيراً. فالمراكز الصحية تحتاج إلى محاليل الإماهة الفموية والسوائل الوريدية والمستلزمات اللازمة لمكافحة العدوى، بينما تحتاج فرق الاستجابة إلى وسائل اتصال ونقل تسمح لها بمتابعة الحالات في المناطق النائية.
وتتطلب هذه الظروف تعزيز القدرة على العلاج محلياً، بحيث لا يضطر جميع المرضى إلى التوجه إلى مراكز بعيدة. ويمكن دعم المرافق القائمة وتوفير الإمدادات الأساسية والتدريب للعاملين، مع إنشاء نقاط علاج مناسبة وفق تقييمات الصحة العامة. لكن أي توسع في الخدمات يجب أن يراعي سلامة المرضى والعاملين، وأن يترافق مع إجراءات تمنع انتقال العدوى داخل المرافق الصحية.
إيبولا يزيد الضغط على المنظومة الصحية
تتزامن زيادة حالات الكوليرا مع استمرار تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وهذا التزامن يضع السلطات أمام مهمة معقدة، لأن الاستجابة لكل مرض تتطلب إجراءات مختلفة، رغم وجود احتياجات مشتركة مثل المختبرات والكوادر الطبية والنقل والإمدادات والاتصال بالمجتمعات المحلية.
فإيبولا مرض فيروسي خطير يتطلب اكتشاف الحالات بسرعة، وتطبيق إجراءات صارمة للوقاية من العدوى، ومتابعة المخالطين، وتوفير الرعاية المناسبة للمصابين. أما الكوليرا، فيمكن أن تنتشر على نطاق واسع عندما تتلوث مصادر المياه أو الأغذية، ويعتمد الحد من انتقالها على تحسين الظروف الصحية إلى جانب علاج المرضى.
وفي تقريرها المنشور في 14 أكتوبر، أشارت الأمم المتحدة إلى أن تفشي إيبولا يضغط بشدة على القدرة الصحية في البلاد. وأورد التقرير بيانات لمنظمة الصحة العالمية تفيد بتسجيل 9,066 حالة و4,381 وفاة في سبع مقاطعات و65 منطقة صحية، مع معدل وفيات محسوب بلغ 48.3 في المئة وفق البيانات المذكورة آنذاك. وهذه أرقام مرتبطة بوقت نشر التقرير، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حصيلة نهائية أو بديلاً عن التحديثات اللاحقة.
وتوضح هذه المعطيات حجم العبء الذي تتحمله المؤسسات الصحية. فعندما يرتفع عدد المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة، قد تضطر المستشفيات إلى إعادة توزيع الكوادر والأسرة والإمدادات. وإذا لم تتوافر موارد إضافية، يمكن أن تتأثر خدمات أخرى، بما في ذلك علاج الكوليرا والأمراض الشائعة ورعاية الأمهات والأطفال.
ومن المهم ألا تؤدي مكافحة وباء واحد إلى إهمال الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان. فالمريض المصاب بمرض آخر لا يفقد حاجته إلى العلاج بسبب وجود تفشٍّ وبائي جديد. ولهذا، ينبغي أن تتضمن خطط الاستجابة تمويلاً وموارد تسمح بمواصلة الخدمات الصحية الضرورية، إلى جانب إنشاء مسارات واضحة لعزل الحالات المشتبه بها وتقديم الرعاية لها.
كما أن حماية العاملين الصحيين ضرورة أساسية. فهؤلاء يواجهون مخاطر العدوى وضغط العمل ونقص الإمدادات، وقد يعملون في ظروف أمنية صعبة. ويحتاجون إلى معدات الحماية والتدريب والدعم النفسي واللوجستي، فضلاً عن أنظمة واضحة للإبلاغ عن الحالات. ومن دون حماية العاملين، قد تتراجع قدرة النظام الصحي على مواصلة الاستجابة في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إليه.
التطعيم والمياه الآمنة والتوعية المجتمعية
أعلنت الجهات المعنية في التقرير عن استعدادات لتوسيع التدخلات الوقائية، بما في ذلك إنشاء مواقع لمعالجة المياه بالكلور في مناطق متضررة من شمال كيفو، وتطهير آلاف المنازل والمراحيض في تانغانيقا. كما استمرت حملات التطعيم التفاعلية ضد الكوليرا في مناطق صحية بجنوب كيفو، بالتوازي مع أنشطة التوعية المجتمعية.
وتُعد معالجة المياه بالكلور من التدخلات التي يمكن أن تقلل مخاطر التلوث إذا نُفذت وفق المعايير المناسبة. لكن نجاحها يتطلب مراقبة جودة المياه، وتحديد الجرعات الصحيحة، وضمان أن تكون نقاط المعالجة في متناول السكان. كما ينبغي إبلاغ المجتمعات بطريقة واضحة عن كيفية استخدام المياه بعد معالجتها وتخزينها، لأن الوقاية لا تتوقف عند محطة المعالجة إذا أمكن أن تتلوث المياه لاحقاً.
أما تطهير المنازل والمراحيض، فيساعد على الحد من انتقال الملوثات، لكنه يحتاج إلى متابعة وإلى تحسينات مستمرة في الصرف الصحي. فلا يمكن القضاء على الخطر بصورة مستدامة إذا بقيت المياه العادمة قريبة من مصادر الشرب أو ظلت المرافق الصحية غير كافية لاستيعاب احتياجات السكان.
ويشكل التطعيم الفموي ضد الكوليرا أداة إضافية في المناطق المعرضة للخطر، لكنه لا يغني عن توفير المياه النظيفة والصرف الصحي والعلاج. وينبغي تنظيم الحملات وفق التقييم الوبائي، وتحديد الفئات والمناطق ذات الأولوية، وضمان وصول اللقاحات إلى الأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم. كما أن التنسيق بين المناطق المتجاورة مهم عندما تتحرك المجتمعات عبر الأنهار والطرق والحدود.
وقد أشار التقرير إلى إعداد خطة تطعيم مشتركة عبر الحدود بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية الكونغو في مناطق على امتداد ممر نهر الكونغو. ويعكس هذا النوع من التنسيق إدراكاً بأن انتقال السكان والتجارة لا يتوقف عند الحدود الإدارية، وأن الاستجابة الفعالة تتطلب تبادل المعلومات وتنسيق التدخلات بين السلطات المعنية.
لكن الحملات الصحية لا تنجح بالقرارات المركزية وحدها. فهي تحتاج إلى تعاون السكان، وإلى معلومات موثوقة بلغات يفهمونها، وإلى إشراك العاملين الصحيين المحليين والقيادات المجتمعية. وينبغي أن توضح رسائل التوعية أعراض المرض، ومتى يجب طلب العلاج، وكيفية التعامل مع المياه والطعام، من دون نشر الخوف أو وصم المصابين وأسرهم.
خطر يتجاوز حدود الكونغو الديمقراطية
يضيف تفشي إيبولا بُعداً إقليمياً إلى الأزمة الصحية، إذ أثارت الإصابات المسجلة خارج جمهورية الكونغو الديمقراطية مخاوف بشأن انتقال العدوى عبر الحدود. وأورد تقرير الأمم المتحدة في 14 أكتوبر أن أوغندا كانت قد أعلنت خلوها من تفشيها في أغسطس، بينما أبلغت كينيا عن حالة وافدة مرتبطة بالسفر من الكونغو الديمقراطية عبر أوغندا، مع ورود تقارير عن حالة ثانية في ذلك الوقت.
وتؤكد هذه التطورات أهمية المراقبة الصحية والتعاون بين الدول، خصوصاً في المناطق التي تشهد حركة كثيفة للسكان أو تربطها بالبلد المتضرر علاقات تجارية واجتماعية. ويشمل ذلك تدريب العاملين في نقاط الدخول، وتوفير آليات للإحالة إلى العلاج، ومشاركة المعلومات الوبائية بسرعة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تؤدي المخاوف من انتشار المرض إلى فرض قيود عامة غير مستندة إلى تقييم صحي. فالتدابير ينبغي أن تستند إلى الأدلة، وأن تكون متناسبة مع مستوى الخطر، وأن تحافظ على إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية. كما أن الوصم والتمييز ضد القادمين من مناطق متضررة قد يدفعان المصابين إلى إخفاء الأعراض أو تجنب الرعاية، وهو ما يضعف جهود احتواء المرض.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن تستند الاستجابة إلى تقييمات متجددة للمخاطر، وإلى تعزيز اكتشاف الحالات والاستعداد في البلدان المجاورة، بدلاً من التعامل مع الأزمة على أساس افتراضات عامة بشأن جميع المسافرين أو السكان.
ما المطلوب لمنع تفاقم الأزمة؟
تحتاج مواجهة الكوليرا وإيبولا إلى خطة تجمع بين العلاج الفوري والوقاية طويلة الأمد. ففي المدى القصير، يجب توفير الإمدادات الطبية والمياه الآمنة ووسائل النقل للمرضى، ودعم المرافق الصحية التي تستقبل الحالات، وتعزيز قدرة فرق الاستجابة على الوصول إلى المناطق التي يصعب بلوغها.
وفي المدى المتوسط، لا بد من الاستثمار في شبكات المياه والصرف الصحي، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر والترصد الوبائي، وتدريب العاملين الصحيين، وتطوير قدرات المختبرات. فكلما أمكن اكتشاف الحالات مبكراً وتحديد بؤر الانتشار، زادت فرص الحد من انتقال العدوى وتقليل الوفيات.
كما يجب ألا تقتصر المساعدات على المناطق التي تتوافر عنها بيانات مفصلة. فقد يكون انخفاض عدد الحالات المبلغ عنها في منطقة ما نتيجة ضعف الترصد أو صعوبة الوصول، وليس دليلاً على غياب المرض. ولهذا، ينبغي أن تترافق البيانات الإحصائية مع تقييمات ميدانية تأخذ في الاعتبار القيود الأمنية وبعد القرى عن المرافق الصحية.
ويظل التمويل عنصراً حاسماً. فالاستجابة المتواصلة تحتاج إلى موارد لتأمين الأدوية واللقاحات ومواد معالجة المياه، ودفع تكاليف النقل، وتوفير معدات الحماية، ودعم العاملين الصحيين. وقد يؤدي تأخر التمويل إلى إبطاء الحملات الوقائية، أو تعطيل الخدمات في المناطق الأكثر احتياجاً، أو ترك المرافق الصحية عاجزة عن الاستمرار في تقديم الرعاية.
ومن الضروري أيضاً أن تكون المساعدات منسقة بين الحكومة ومنظمة الصحة العالمية والجهات الإنسانية والشركاء المحليين، حتى لا تتكرر الجهود في بعض المناطق بينما تبقى مناطق أخرى من دون دعم كافٍ. ويجب أن تكون الأولوية بحسب شدة الاحتياجات والمخاطر الصحية، مع آليات واضحة لتقييم أثر التدخلات وتعديلها عندما تتغير الظروف.
الأوبئة تكشف هشاشة الخدمات الأساسية
إن ارتفاع حالات الكوليرا في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال الفترة التي تناولها تقرير 14 أكتوبر 2026 يكشف أن الأزمة ليست طبية فقط. فهي ترتبط بإمكانية الحصول على المياه النظيفة، وتوافر الصرف الصحي، وسلامة الطرق، وقدرة المرافق الصحية على الوصول إلى المرضى. ويتضاعف الخطر عندما تتزامن الكوليرا مع تفشي إيبولا، لأن النظام الصحي يصبح مطالباً بالاستجابة لاحتياجات متباينة في وقت واحد.
وتؤكد الأرقام المعلنة الحاجة إلى تدخل سريع، لكنها تذكّر أيضاً بأهمية التمييز بين الحالات المشتبه بها والحالات المؤكدة، وبين الحصائل المسجلة في تاريخ معين والتطورات اللاحقة. فالتقييم الدقيق ضروري لتوجيه الموارد، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل عاجل، وتجنب المبالغة أو التقليل من حجم الأزمة.
ولا يمكن وقف الكوليرا عبر العلاج وحده، كما لا يمكن السيطرة على إيبولا من دون أنظمة صحية قادرة على اكتشاف الحالات ومتابعتها. إن الجمع بين الرعاية الطبية والمياه الآمنة والصرف الصحي والتطعيم والتوعية والتنسيق الإقليمي هو الطريق الضروري لتقليل الوفيات والحد من انتشار العدوى.
وفي نهاية المطاف، فإن حماية السكان لا تتطلب فقط مواجهة الوباء القائم، بل بناء قدرة صحية مستدامة تمنع تكرار الكارثة عند ظهور المرض التالي. فكل استثمار في المياه النظيفة والرعاية الصحية المحلية والترصد المبكر يمكن أن يقلل الخطر على ملايين الأشخاص، ويمنح المجتمعات قدرة أكبر على مواجهة الأزمات الصحية المقبلة.
