أوروبا

انتخابات فرنسا تشعل الجدل بعد استخدام صور هتلر وزيلينسكي


حتى وقت قريب، كانت بلدة أرسيس-سور-أوب الفرنسية تمتلك ثلاثة أسباب للشهرة: فهي مسقط رأس الثوري الفرنسي جورج دانتون،

وموقع إحدى آخر معارك نابليون بونابرت، كما تضم أحد أكبر مصانع بنجر السكر في أوروبا.

أما اليوم، فقد وُضعت هذه البلدة الصغيرة الواقعة في إقليم شامبانيا، والتي يبلغ عدد سكانها 2785 نسمة، على الخريطة الدولية لسبب أكثر غرابة: جولة إعادة على رئاسة البلدية تجمع بين شارل هتلر وأنطوان رينو-زيلينسكي.

وقد أثار التشابه بين اسميهما واسمَي أدولف هتلر وفولوديمير زيلينسكي ضجة واسعة على الإنترنت، وسط دهشة سكان البلدة الذين ينشغلون أكثر بإغلاق المحال التجارية لا بالسياسة الدولية.

وقال هتلر (75 عاماً)، رئيس البلدية الحالي، لصحيفة «التلغراف»: «إنه الاسم، كما ترى – هتلر في مواجهة زيلينسكي… لقد أثار الأمر بعض الجدل… إنه جنون».

أما منافسه فكان أكثر هدوءاً، إذ قال رينو-زيلينسكي (28 عاماً): «لا أجد الأمر مضحكاً، لكنه لا يسيء إليّ أيضاً. إذا كان بإمكاننا التحدث عن أرسيس-سور-أوب وتسليط الضوء على بلدتنا الجميلة، فهذا أمر جيد».

وأوضح سبب تشابه اسمه مع الرئيس الأوكراني قائلاً: «الاسم بولندي… زيلينسكي هو لقب والدتي»، مشيراً إلى أن الناس غالباً ما يمزحون بشأن وجود صلة قرابة، «وكان الأمر دائماً بروح طيبة».

سباق متقارب

السباق الانتخابي يبدو محتدماً، إذ تصدر هتلر الجولة الأولى في 15 مارس/آذار الجاري، بفارق 40 صوتاً فقط عن رينو-زيلينسكي، فيما تأهلت أيضاً المستشارة المخضرمة آني سوكا، في جولة إعادة ثلاثية نادرة في بلدة بهذا الحجم.

وتُعد هذه الانتخابات البلدية في عموم فرنسا اختباراً أخيراً لاتجاهات الرأي العام قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

المرشح الانتخابي هتلر

ففي باريس، تدور المنافسة على رئاسة البلدية بين الاشتراكي إيمانويل غريغوار واليمينية رشيدة داتي.

وفي مرسيليا، يتجه السباق نحو مواجهة بين اليسار والتجمع الوطني، في مؤشر مبكر على صراع رئاسي محتمل.

لكن في أرسيس-سور-أوب، تخشى سوكا أن يؤدي الاهتمام العالمي إلى تشويه التصويت، قائلة: «إما أن ينقلب الأمر ضدي لأن الناس قد يتعاطفون معهما… أو يعمّ الارتباك فلا يعرف الناخبون لمن يصوتون… وقد ينفرون من التصويت».

تاريخ ثقيل الحضور

وقف هتلر مرتدياً وشاحه البلدي أمام بوابات مقر البلدية الحديدية—وهو قصر من القرن الثامن عشر تحيط به أراضٍ واسعة—وبدا متعباً من هذا الاهتمام.

ولا يزال القصر يحمل آثار قذائف مدفعية وطلقات نارية تعود إلى مارس/آذار 1814، حين انسحب جيش نابليون (30 ألف جندي) أمام نحو 100 ألف من قوات الحلفاء، في آخر معاركه الكبرى قبل نفيه، ثم هزيمته لاحقاً في واترلو.

وتُعرض في مكتب رئيس البلدية لوحة لنابليون وهو يطلق النار من الجسر المقابل للقصر، وهي معارة من متحف اللوفر.

المرشح الانتخابي هتلر

بالنسبة لرينو-زيلينسكي، يُعد هذا التاريخ شغفاً شخصياً، إذ يهتم بالحقبة النابليونية وساهم في تنظيم فعالية لإعادة تمثيل المعارك في حديقة البلدية الصيف الماضي.

وقال: «أقمنا مخيماً كبيراً… ومعركتين في وسط البلدة… جاء الناس والتقطوا الصور… وكان المكان مثالياً»، مضيفًا: «أعتبر نابليون من أعظم الشخصيات في تاريخنا… لقد أظهر للفرنسيين قدرتهم على منافسة الدول الأوروبية… فرنسا عظيمة».

ويمتد هذا الإرث شرقاً أيضاً، إذ توجد في جنوب أوكرانيا قرية تُدعى «أرسيس»، أسسها مستوطنون من هذه المنطقة في القرن التاسع عشر.

اختلاف سياسي واضح

سياسياً، يبتعد المرشحان كثيراً عن بعضهما، فهتلر ينتمي إلى تيار يمين الوسط، متحالفاً مع حزب «هورايزون» بقيادة رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب. بينما ينتمي رينو-زيلينسكي إلى اليمين السيادي المتشدد، وهو عضو في حركة «الوطنيون» بزعامة فلوريان فيليبو، ويدعو إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي واليورو وحلف الناتو، رغم تأكيده أن قائمته البلدية مستقلة.

وقال: «نحن نخوض معركة محلية، لا نتعامل مع قضايا وطنية».

ورغم ذلك، تعكس هذه الانتخابات واقعاً أوسع: ففرنسا تضم نحو 35 ألف رئيس بلدية—ما يقارب عددهم في بقية أوروبا مجتمعة—ولا يزالون الأكثر ثقة لدى المواطنين.

منصب تحت الضغط

لكن المنصب يواجه تحديات متزايدة، إذ تؤدي تقلص الميزانيات وارتفاع التوقعات إلى عزوف المرشحين. وفي هذا العام، لم تجد 68 بلدية أي مرشح.

في هذا السياق، تبدو المنافسة في أرسيس-سور-أوب استثناءً لافتاً. وقال هتلر: «لدى السكان ثلاثة خيارات… وهذا هو جوهر الديمقراطية».

الخلاف حول أوكرانيا

يتجلى التباين بين المرشحين بوضوح في موقفهما من أوكرانيا؛ فهتلر يدعمها بقوة، وقد استضاف عائلات أوكرانية في البلدة.

المرشح الانتخابي هتلر

بينما يتخذ رينو-زيلينسكي موقفاً أكثر انتقاداً، قائلا: لست معجباً بزيلينسكي… ليس كثيراً، لكنه حرص على التوازن، فأضاف: «أنا لست مع أي منهما… زيلينسكي يدافع عن مصالحه، وبوتين عن مصالحه، ونحن ندافع عن مصالح فرنسا… الأمر ببساطة يتعلق بالسلام».

قصة اسم مثير للجدل

بالنسبة لهتلر، للتاريخ بعد شخصي أيضاً. فوالده—وهو راعٍ—أُجبر على الانضمام إلى الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية وأُرسل للقتال في روسيا.

وعمل هتلر 43 عاماً في مصنع بنجر السكر المحلي، قبل أن يدير مختبره. أما اسمه، فقد لازمه طوال حياته : «في المدرسة… كنت أضطر إلى القتال». وعندما ترشح قبل ست سنوات، تحولت القصة إلى قضية عالمية: «اضطررت لإغلاق موقعي الإلكتروني… تلقيت رسائل كثيرة من أمريكا الجنوبية تحمل مضامين مؤيدة لهتلر».

ورفض تغيير اسمه قائلاً: «عائلتي كلها تحمل هذا الاسم… وبعضهم مات من أجل فرنسا… لماذا نغيره؟ بسبب شخص أحمق اسمه أدولف؟»؟

في المقابل، اختار بعض أقاربه تغيير أسمائهم، بينما احتفظ به آخرون، بمن فيهم أبناؤه.

أولويات مشتركة

يتفق المرشحون الثلاثة على أولويات أساسية: الأمن، وتوفير الوظائف، وإحياء الحياة في البلدة. فهتلر يعد بزيادة التواجد الأمني والاستثمار، بينما يقترح رينو-زيلينسكي إعادة تشغيل إنارة الشوارع—المطفأة ليلاً منذ 2022—عبر استفتاء، وتدعو سوكا إلى مراجعة مالية شاملة.

لكنهم يتفقون جميعاً على حقيقة واحدة: في بلدة كهذه، يُتوقع من رئيس البلدية التعامل مع كل شيء.

وقال هتلر: «إذا كان هناك كلب يتجول في عطلة نهاية الأسبوع، يتصلون برئيس البلدية… هذا هو حجم الالتزام المطلوب».

زر الذهاب إلى الأعلى