سياسة

بروكسل تفتح ملف الإخوان.. قيود على التنظيم ومراجعة للمساعدات


انتقل الجدل الأوروبي حول جماعة الإخوان المسلمين من مستوى التحذيرات الوطنية المتفرقة إلى مواجهة سياسية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. 

ففي 8 أكتوبر 2026، أقر البرلمان الأوروبي قرارًا يدعو إلى استراتيجية أوروبية لمواجهة “التغلغل الإسلامي” وتأثير شبكات مرتبطة بالإخوان، مع تشديد الرقابة على التمويل العام والعلاقات المؤسسية، وفتح تقييم قانوني لاحتمال إدراج أفراد أو منظمات على قوائم العقوبات الإرهابية. 

لكن التصويت، رغم رمزيته السياسية، لم يحظر الجماعة ولم يفرض تلقائيًا عقوبات مالية أو جنائية، وتحاول الأحزاب الداعمة للقرار تقديم مواجهة الشبكات الإسلامية السياسية باعتبارها جزءًا من حماية الديمقراطية، في حين يحذر معارضون من أن المصطلحات الفضفاضة قد تخلط بين الإسلام كدين، والعمل المدني المسلم، والتنظيمات التي يثبت تورطها في نشاط غير قانوني.

ماذا قرر البرلمان الأوروبي؟
وجاء التصويت بعد نقاش بدأه البرلمان حول الحاجة إلى استراتيجية أوروبية لمواجهة ما وصفه بـ”التغلغل الإسلامي” داخل المؤسسات والمجتمع المدني.

ووفق البيان الرسمي للبرلمان، دار النقاش حول احتمال استخدام شبكات منظمة لقنوات ديمقراطية ومؤسساتية بهدف نشر أجندة أصولية تقوض القيم الديمقراطية، مع الإشارة إلى جماعة الإخوان وشبكات مرتبطة بها بوصفها مثالًا محل اهتمام.

وأُقر القرار بأغلبية 381 صوتًا مقابل 167، مع 15 امتناعًا، ويدعو النص إلى التدقيق في مصادر تمويل المنظمات، ومعرفة المستفيد النهائي من الأموال العامة، ومراجعة الشراكات والدعوات إلى مؤسسات الاتحاد، فضلًا عن تقييم ما إذا كانت بعض الكيانات أو الشخصيات تستوفي الشروط القانونية للإدراج على قوائم الإرهاب.

فرنسا تقود الدفع السياسي
تظهر فرنسا في مقدمة الدول الدافعة نحو نقل الملف إلى المستوى الأوروبي. وكانت الجمعية الوطنية الفرنسية قد أصدرت في يناير 2026 قرارًا غير ملزم يدعو إلى بدء إجراءات إدراج الإخوان على قائمة الإرهاب الأوروبية، قبل أن يتحول الملف في أكتوبر إلى نقاش أوسع داخل البرلمان الأوروبي.

وقالت النائبة الأوروبية الفرنسية سيلين إيمار، التي قادت العمل على مشروع القرار داخل حزب الشعب الأوروبي، في مقابلة مع صحيفة “لوفيغارو”، إن الخطوة الأولى تتمثل في إغلاق أبواب المؤسسات الأوروبية أمام المنظمات المرتبطة بهذه الشبكات، ومنعها من المشاركة في المشاورات أو ممارسة الضغط داخل البرلمان والمفوضية. وأضافت أن القرار يطلب تتبع التمويلات وصولًا إلى المستفيد النهائي.

لكن الخبير الفرنسي جان إيف كامو، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في القومية والتطرف في أوروبا، يحذر في من أن “المواجهة القانونية ستكون صعبة”، لأن القانون لا يملك تعريفًا محددًا للإسلاموية، ولا للتغلغل. 

ويوضح أن “العلوم السياسية تنظر عمومًا إلى الإسلاموية بوصفها مشروعًا سياسيًا يهدف إلى الحكم وفق قواعد الإسلام، لكن القانون الفرنسي لا يسمح بحظر منظمة إلا عبر مسارين: إدراجها على قائمة التنظيمات الإرهابية، أو حلها استنادًا إلى المادة L212-1 من قانون الأمن الداخلي”.

ويضيف كامو أن الحل الإداري لا يصبح ممكنًا في فرنسا إلا إذا ثبت أن الجماعة تدعو إلى إسقاط الجمهورية، أو تستخدم العنف، أو تحرض على التمييز الديني أو العرقي. ويرى أن تجربة حل ” التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا (CCIF)” تكشف صعوبة إنفاذ القرارات؛ إذ أعادت المنظمة تشكيل نفسها في بلجيكا تحت اسم(CCiE).

وبالنسبة إليه، فإن عبارة “الشبكات المرتبطة بالإخوان” تظل غامضة قانونيًا قائلا: متى يصبح الارتباط قائمًا؟ هل عبر التدفقات المالية، أم العلاقات الشخصية، أم التقارب الأيديولوجي؟.

كما يتساءل كامو عن سبب التركيز على الإخوان وحدهم، مع ترك جماعات أخرى خارج النقاش، مثل الشيعة الموالين لإيران، والسلفيين، والتيارات الديوبندية والبريلوية، وبعض المدارس الأكثر تشددًا في الإسلام القادم من إفريقيا جنوب الصحراء. ويخلص إلى أن أي حكومة تريد مواصلة هذا المسار ستكون مضطرة إلى تنقيح النصوص التشريعية بدقة، لأن مخاطر الطعون أمام القضاء الإداري “هائلة”.

من التمويل إلى المواجهة القضائية
تكتسب قضية التمويل أهمية خاصة لأن عددًا من الدول الأوروبية بدأ بالفعل في تشديد الرقابة على الأموال الخارجية والجمعيات الدينية. وكانت السويد قد اقترحت في يونيو 2026 إخضاع التمويلات الأجنبية التي تتجاوز 150 ألف كرونة للمراجعة، ومنعها إذا ثبت تأثيرها الضار في الأمن أو النظام العام، بعد أن كشفت بيانات مصرفية عن تدفقات كبيرة إلى جمعيات دينية ومنظمات أهلية بين 2020 و2025.

ويمنح هذا المسار الأوروبي الحكومات أداة أقل صدامًا من الحظر المباشر: مراجعة مصادر الأموال، واشتراط الشفافية، وربط التمويل العام باحترام القواعد الديمقراطية. لكنه يفتح في الوقت ذاته بابًا واسعًا للنزاع القضائي، إذ سيتعين إثبات الصلة التنظيمية والتمويلية، لا الاكتفاء بالتشابه الأيديولوجي أو الخطاب الديني المحافظ.

ويصف الخبير الفرنسي رولان لومباردي، المتخصص في الجغرافيا السياسية ورئيس تحرير موقع Le Diplomate Media ، التصويت الأوروبي بأنه “تطور سياسي مهم”، لكنه يرى أن الفجوة بين القرار والتدابير الملزمة قانونيًا واسعة. 

ويقول : إن المرحلة المقبلة ستتطلب تعريفًا دقيقًا لماهية التغلغل الإسلامي، وإثبات الروابط المحتملة مع الشبكات الإخوانية بأدلة صلبة يمكنها الصمود أمام القضاء.

ويرى لومباردي أن الإخوان المسلمين “يجيدون منذ عقود استغلال الحريات الديمقراطية للتقدم في أجندتهم السياسية والدينية”، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن دولة القانون تفرض التمييز بين الإسلام كدين، والإسلام السياسي، والإسلاموية بوصفها أيديولوجيا ومشروعًا سياسيًا معاديًا. 

ويضيف أن الاختبار الحقيقي سيكون قانونيًا وسياسيًا معًا: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن مبادئها من دون أن تسمح لمن يستغلها بتحويلها إلى درع؟

كما يحذر لومباردي كذلك من الضغوط الدبلوماسية والمالية وغيرها التي قد تمارسها بعض الدول، لحماية الحركات التي تتبنى الإسلام السياسي في أوروبا. ويختصر موقفه بالقول إن الديمقراطية التي ترفض رؤية من يريدون تدميرها “تحكم على نفسها بالعجز”، لكنه يربط مواجهة هذا الخطر بضرورة بناء ملفات إثبات دقيقة، لا بإطلاق اتهامات عامة.

انقسام سياسي وحدود التعريف

وأظهر التصويت انقسامًا واضحًا بين البرلمان؛ فقد دعمت النص غالبية نواب حزب الشعب الأوروبي و”رينيو أوروبا” والمحافظين والإصلاحيين واليمين القومي، بينما عارضه معظم الاشتراكيين والخضر واليسار. 

وعكس ذلك خلافًا حول سؤالين: هل يمثل الإخوان شبكة سياسية منظمة تستخدم المؤسسات للتغلغل، أم أن التوصيف قد يتحول إلى أداة لتجريم العمل المدني الإسلامي؟ وهل تكفي المخاوف الأمنية لإدراج جماعة بأكملها على قوائم الإرهاب؟

وحاولت كتلة رينيو أوروبا الجمع بين الموقفين. وقالت النائبة الفرنسية ناتالي لوازو إن الأموال الأوروبية لا ينبغي أن تذهب إلى منظمات تقوض الحقوق الأساسية، لكنها شددت في الوقت نفسه على رفض الخلط بين الإسلام والإسلاموية، أو استخدام الملف للتحريض على المسلمين وكراهية الأجانب.

أما الباحثة والأنثروبولوجية الفرنسية فلورانس برجو-بلاكلر، فوصفت القرار في مقال بصحيفة “لوفيغارو” بأنه بداية “وعي أوروبي” لا نهاية المعركة. ورأت أن أهمية النص تكمن في كونه أول قرار أوروبي مخصص لهذا الملف، لكنها حذرت من أن نجاحه سيتوقف على تعريف “التغلغل” وتقديم أدلة قابلة للفحص القضائي.
 

زر الذهاب إلى الأعلى