تصعيد إيراني.. استخدام وكلاء لضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية
تكثف الجماعات المسلحة الشيعية المتحالفة مع إيران في لبنان والعراق هجماتها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، في محاولة لإظهار أن ما يعرف بـ”محور المقاومة” لا يزال قادرا على التأثير في مسار الصراع الإقليمي رغم الضربات القوية التي تعرض لها خلال العامين الماضيين، خصوصا منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتشير التطورات الميدانية في الأيام الأخيرة إلى أن هذه الجماعات تتحرك ضمن استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى توسيع نطاق المواجهة وإرباك خصوم طهران، حتى في وقت يبدو فيه المحور في موقف أضعف مقارنة بما كان عليه قبل سنوات.
وقد شهدت المنطقة خلال الأسبوع الجاري تصعيدا لافتا، تمثل في هجوم صاروخي متزامن شنته إيران وجماعة حزب الله اللبنانية على إسرائيل. ووفقا للجيش الإسرائيلي، أطلق حزب الله نحو 200 صاروخ و20 طائرة مسيرة باتجاه الأراضي الإسرائيلية، إلا أن منظومات الدفاع الجوي اعترضت معظمها، فيما سقط صاروخان فقط داخل إسرائيل دون تسجيل خسائر بشرية.
وعلى الرغم من محدودية تأثير الضربة ميدانيا، فإن توقيتها المتزامن مع إطلاق إيران صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل يعكس مستوى التنسيق بين طهران وحلفائها الإقليميين. وتشير مصادر لبنانية مطلعة على عمليات حزب الله إلى أن الضربات المنسقة تأتي ضمن خطة إيرانية وُضعت مسبقا تحسبا لاندلاع حرب واسعة، وتهدف إلى إرباك أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية عبر إطلاق هجمات متزامنة من أكثر من جبهة.
في الوقت ذاته، تصاعدت هجمات الفصائل المسلحة الشيعية في العراق ضد المصالح الأميركية، حيث قالت ثلاثة مصادر أمنية عراقية ومصدران مقربان من تلك الفصائل إن الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ازدادت بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة.
وأعلنت فصائل تعمل تحت مظلة “المقاومة الإسلامية في العراق” أنها نفذت 31 هجوما خلال 24 ساعة فقط، استهدفت ما وصفته بـ”قواعد الاحتلال” الأميركية في العراق والمنطقة باستخدام عشرات الطائرات المسيرة والصواريخ.
ورغم أن بعض الفصائل المدعومة من إيران في العراق لم تنخرط بالكامل في التصعيد العسكري، فإن مسؤولين ومحللين يرون أن مجموعة أساسية من هذه الفصائل لا تزال نشطة وقادرة على ممارسة ضغط ميداني مستمر على القوات الأميركية ومصالحها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تعرضت منشآت نفطية وبنى تحتية للطاقة لهجمات متكررة خلال الأيام الماضية، فقد أفاد مصدران أمنيان بأن طائرتين مسيرتين استهدفتا حقل مجنون النفطي في جنوب العراق، وهو أحد أكبر الحقول في البلاد، حيث تعمل شركة كيه.بي.آر الأميركية في تشغيله. ولم تسفر الضربة عن خسائر بشرية، لكنها تندرج ضمن سلسلة هجمات مشابهة استهدفت القطاع النفطي.
وقال مهندس ميداني يعمل في الموقع إن الحقل تعرض لخمس هجمات بطائرات مسيرة خلال أقل من أسبوع، في مؤشر على أن الفصائل المسلحة تسعى أيضا إلى الضغط على مشاريع الطاقة التي تشارك فيها شركات أميركية أو مرتبطة بالولايات المتحدة.
كما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن منشأة دبلوماسية تابعة لها قرب مطار بغداد الدولي تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة، دون تسجيل إصابات. وأفادت مصادر أمنية بأن الموقع نفسه تعرض لهجمات متكررة خلال الأيام الأخيرة.
وفي إقليم كردستان العراق، قالت ثلاثة مصادر أمنية كردية إن طائرتين مسيرتين استهدفتا قاعدة عسكرية أميركية بالقرب من مطار أربيل. كما أفادت مصادر أمنية ومهندس نفطي بأن هجوما بطائرة مسيرة استهدف في الخامس من مارس/اذار حقلا نفطيا تديره شركة ‘إتش.كي.إن إنرجي’ الأميركية في شمال العراق، ما أدى إلى اندلاع حريق وتعطل الإنتاج.
ورغم أن وكالة رويترز لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من الجهة المسؤولة عن بعض هذه الهجمات، فإن مصادر أمنية عراقية تشير إلى أن الطائرات المسيرة أطلقت من مناطق تخضع لسيطرة فصائل مسلحة مدعومة من إيران.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه ما تسميه طهران “محور المقاومة” تحديات كبيرة نتيجة الضربات التي تعرض لها منذ اندلاع حرب غزة، فقد أدى الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى حرب مدمرة في غزة أضعفت الحركة بشكل كبير، كما ألحق القتال خسائر فادحة بحزب الله في لبنان.
ومن بين أبرز هذه الخسائر مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عام 2024 خلال ضربات إسرائيلية، إضافة إلى استهداف قيادات ميدانية بارزة في صفوف الحزب.
كما ساهمت التداعيات الإقليمية للحرب في إضعاف أحد أهم حلفاء إيران، بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما شكل ضربة كبيرة للبنية الاستراتيجية للمحور في المنطقة.
ورغم هذه الانتكاسات، يؤكد محللون أن إيران أنشأت شبكة تحالفاتها الإقليمية تحديدا لمواجهة مثل هذه الظروف. وقال مهند الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط إن طهران “بنت محور المقاومة من أجل لحظة كهذه”، واصفا المواجهة الحالية بأنها “حرب وجودية” بالنسبة لإيران وحزب الله.
وأضاف أن استمرار النظام الإيراني يمثل شرطا أساسيا لبقاء هذا المحور، قائلا إن انهياره سيعني عمليا تفكك الشبكة الإقليمية التي بنتها طهران على مدى عقود.
وفي رسالة سياسية واضحة، وجه الزعيم الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في أول بيان يصدر باسمه منذ تعيينه، الشكر إلى “مقاتلي جبهة المقاومة”، مؤكدا أن دول وقوى هذه الجبهة تمثل أفضل أصدقاء إيران.
كما برز احتمال دخول جماعة الحوثي في اليمن على خط التصعيد، رغم أنها لم تشارك حتى الآن بشكل مباشر في القتال الدائر. وخلال الأسبوع الماضي، أعلن زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي أن قواته جاهزة للتحرك عسكريا إذا اقتضت التطورات ذلك.
ويمتلك الحوثيون ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيرة، إضافة إلى قدرتهم على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، كما حدث خلال حرب غزة عندما استهدفوا سفنا تجارية وهجمات بعيدة المدى على إسرائيل.
ويرى محللون أن أي تدخل مباشر للحوثيين قد يفتح جبهة جديدة تؤثر على طرق التجارة والطاقة العالمية، خصوصا بعد تحويل السعودية جزءا من صادراتها النفطية إلى البحر الأحمر عقب إغلاق مضيق هرمز.
ويقول أندرياس كريج، الأستاذ في جامعة كينغز كوليدج لندن، إن تراجع قوة محور المقاومة منذ عام 2023 لا يعني انتهاء قدرته على العمل، مضيفا أن حزب الله والفصائل العراقية والحوثيين “لا يزالون نشطين للغاية”، مؤكدا أنهم يحتفظون بقدرات عسكرية معتبرة وموارد كافية لمواصلة القتال.
وبينما تواجه إيران وحلفاؤها ضغوطا عسكرية غير مسبوقة، تشير التطورات الأخيرة إلى أن استراتيجية “الحرب عبر الوكلاء” التي اعتمدتها طهران لسنوات لا تزال قادرة على إطالة أمد الصراع وفتح جبهات متعددة في المنطقة، حتى في ظل تراجع نفوذ هذا المحور مقارنة بما كان عليه في السابق.
