تعزيزات وتسليح عاجل.. واشنطن تسد ثغرات الحرب على إيران
في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها الولايات المتحدة على خلفية الحرب الدائرة مع إيران، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التوصل إلى اتفاقيات إطارية مع كبرى شركات الصناعات الدفاعية لزيادة إنتاج الأنظمة العسكرية والذخائر، في تحول واضح نحو ما وصفته بـ”حالة الاستعداد للحرب”، بعد أن كشفت الأسابيع الأولى من النزاع عن ثغرات حادة في الإمدادات وقدرة الاستدامة.
وبحسب الإعلان، تشمل الاتفاقيات شركات لوكهيد مارتن وبي إيه إي سيستمز وهانيويل، حيث ستتولى الأخيرة زيادة إنتاج المكونات الأساسية لمخزونات الذخيرة الأميركية ضمن استثمار يصل إلى 500 مليون دولار على مدى عدة سنوات. كما تتضمن الخطط رفع إنتاج أنظمة التوجيه الخاصة بصواريخ ‘ثاد’ الاعتراضية إلى أربعة أضعاف وتسريع تصنيع صواريخ ‘بريسيجن سترايك ميسيل’ الموجهة عالية الدقة.
ولا يأتي هذا التحرك في سياق التخطيط طويل الأمد فحسب، بل يعكس حالة استنزاف متسارعة فرضتها الحرب التي بدأت قبل أسابيع قليلة، إذ وجدت واشنطن نفسها أمام تحديات غير متوقعة في الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية، سواء من حيث توافر الذخيرة أو كفاءة منظومات الدفاع والهجوم. ومع تصاعد الطلب على الصواريخ الاعتراضية لمواجهة الهجمات الإيرانية، برزت فجوة واضحة بين الاستهلاك والإنتاج.
وقد فجر هذا الواقع انقسامات حادة داخل الكونغرس حول تمويل الحرب، حيث تتزايد الأصوات المعارضة لاستمرار الإنفاق العسكري الضخم في ظل مؤشرات على انزلاق الولايات المتحدة إلى صراع طويل ومكلف. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة، مع تراجع شعبيته إلى نحو 35 بالمئة وفق أحدث استطلاعات الرأي، وهو ما يضعه أمام اختبار صعب في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وتتقاطع هذه الضغوط السياسية مع تحديات اقتصادية متفاقمة، إذ ساهمت الحرب في اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط، ما انعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي الذي بدأ يشعر بآثار اختناق تدريجي نتيجة ارتفاع التكاليف وتزايد حالة عدم اليقين. وفي هذا السياق، لم يعد خيار الانخراط في حرب طويلة أمرا يمكن تحمله بسهولة، سواء على مستوى الاقتصاد أو الاستقرار الداخلي.
ويفسر مراقبون تراجع الإدارة الأميركية عن بنك الأهداف المعلن في بداية الحرب، والعودة إلى خيار التفاوض، بأنه ليس تحولاً استراتيجياً نحو الدبلوماسية بقدر ما هو استجابة لقيود الواقع، فالحرب التي كان يُفترض أن تكون محدودة وسريعة، تحولت خلال أسابيع إلى أزمة متعددة الأبعاد، كشفت هشاشة القدرة على خوض نزاعات ممتدة دون كلفة باهظة.
كما أن استمرار العمليات العسكرية يهدد صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى قادرة على إدارة الصراعات بكفاءة، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن نقص في الذخائر والصواريخ الدفاعية والهجومية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الجيش الأميركي لمواجهة تحديات متزامنة في أكثر من جبهة.
وتبدو اتفاقيات تعزيز الإنتاج العسكري محاولة لشراء الوقت وإعادة بناء القدرات، لكنها في الوقت نفسه تعكس اعترافا ضمنيا بوجود خلل بنيوي في سلاسل الإمداد الدفاعية. كما أن تزامن هذه الخطوة مع الانفتاح على المفاوضات يسلط الضوء على مفارقة لافتة: تصعيد في الاستعداد العسكري يقابله سعي متزايد لاحتواء الحرب.
وتشير هذه التطورات إلى منعطف حاسم في مسار الصراع، حيث لم يعد أي من الأطراف قادر على تحقيق مكاسب واضحة دون تكبد خسائر كبيرة. وبين ضغوط الداخل الأميركي، وتعقيدات الميدان، وتداعيات الاقتصاد العالمي، تبدو الحرب أقرب إلى معادلة خاسرة للجميع، فيما تتحول قرارات واشنطن إلى مزيج من الضرورة العسكرية ومحاولات تفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم بمآلاتها.
ولا يقتصر الوضع على قدرة الولايات المتحدة على حرب طويلة فقط، فقبل أيام قليلة كشفت وسائل اعلام عبرية أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية شكت بالفعل نقصا حادا في الصواريخ الاعتراضية مع استمرار إيران في شن موجة هجمات بأنواع مختلفة من الصواريخ والمسيرات.
ولم ترد أنباء عن تجاوب واشنطن مع الشكوى الإسرائيلية، لكن الوضع في الداخل الأميركي ذاته بات في حالة قلق مستمر من كلفة الحرب وارتداداتها على القدرة الشرائية للأميركيين مع ارتفاع قياسي في أسعار الوقود.
