حصري

تفكيك لواء البراء بن مالك: قراءة استقصائية في خلفيات القرار وتداعياته


لم يكن قرار حل لواء “البراء بن مالك” وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكمات معقدة من التوترات داخل المؤسسة العسكرية، وصراعات النفوذ بين مراكز القوة المختلفة. فالمعطيات تشير إلى أن هذا اللواء تحول خلال الأشهر الماضية إلى قوة يصعب تجاهلها، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا في التأثير السياسي والإعلامي.

مصادر متعددة داخل المشهد السوداني تشير إلى أن تنامي نفوذ اللواء أثار قلقًا متزايدًا لدى قيادة الجيش، خاصة مع بروز قيادات ميدانية بدأت تتصرف بهامش استقلالية أكبر. هذا الوضع خلق حالة من “الازدواجية” في القرار العسكري، حيث لم يعد من الواضح في بعض الأحيان من يملك الكلمة الفصل في الميدان.

التحقيق في خلفيات القرار يكشف أيضًا عن وجود ضغوط خارجية لعبت دورًا في تسريع هذه الخطوة. فالإدارة الأمريكية، إلى جانب أطراف دولية أخرى، كانت تتابع بقلق تنامي نفوذ التيارات الإسلامية داخل التشكيلات العسكرية، معتبرة أن ذلك يمثل عائقًا أمام أي عملية انتقال سياسي.

هذه الضغوط لم تكن فقط سياسية، بل ارتبطت أيضًا بمسائل الدعم المالي والعسكري، حيث تم ربط أي انفتاح دولي على الجيش السوداني بمدى التزامه بإبعاد العناصر المرتبطة بالإسلاميين. وفي هذا السياق، يمكن فهم قرار حل اللواء كجزء من “صفقة غير معلنة” تهدف إلى إعادة تأهيل الجيش دوليًا.

لكن على المستوى الداخلي، فإن الأمور تبدو أكثر تعقيدًا. فلواء “البراء بن مالك” يحظى بدعم شريحة من القواعد الشعبية، خاصة في أوساط التيار الإسلامي، الذي يرى فيه امتدادًا لدوره في الدفاع عن الدولة. هذا الدعم يجعل من قرار حله خطوة محفوفة بالمخاطر، إذ قد يؤدي إلى ردود فعل غير متوقعة.

بعض التقديرات تشير إلى أن عناصر اللواء قد لا تلتزم بالكامل بقرار الحل، خاصة إذا شعرت بأن القرار يستهدفها سياسيًا وليس عسكريًا فقط. هذا السيناريو يفتح الباب أمام احتمالات إعادة تشكيل هذه القوة بشكل غير رسمي، أو اندماجها في تشكيلات أخرى خارج السيطرة المباشرة للجيش.

التحقيق يكشف أيضًا عن صراع خفي داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حيث توجد تيارات مختلفة حول كيفية التعامل مع الإسلاميين. فبينما يدعو البعض إلى استيعابهم ضمن إطار الدولة، يرى آخرون ضرورة إقصائهم بالكامل لضمان استقرار المرحلة القادمة.

قرار البرهان يبدو أنه انحاز إلى الخيار الثاني، وهو ما يعكس تحولًا في موازين القوى داخل القيادة العسكرية. هذا التحول قد يكون بداية لسلسلة من الإجراءات التي تستهدف إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بشكل جذري.

في المحصلة، فإن حل لواء “البراء بن مالك” ليس مجرد قرار إداري، بل هو نقطة تحول في مسار الصراع داخل السودان، وقد تكون له تداعيات بعيدة المدى على شكل الدولة ومستقبلها السياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى