حصري

رحلات في الظل.. . كيف تحولت الأجواء السودانية إلى ساحة لتحركات غامضة مصرية؟


في صباح الثاني من مايو 2026، رصد متابعون لحركة الطيران رحلة شحن انطلقت من مطار القاهرة الدولي باتجاه مدينة بورتسودان شرقي السودان.

وبحسب بيانات التتبع المتداولة، أقلعت الطائرة من القاهرة ثم اتجهت جنوبًا عبر مسار جوي طويل مر فوق الأجواء المصرية حتى مناطق جنوب البلاد، قبل أن تعبر نحو البحر الأحمر وتدخل المجال الجوي السوداني من الجهة الشرقية. وبعد ذلك تابعت الطائرة رحلتها بمحاذاة الساحل حتى هبطت في مطار بورتسودان.

أما الطائرة الخاصة غير المسجلة، فقد اتخذت مسارًا مختلفًا نسبيًا، إذ أظهرت بيانات الملاحة الجوية أنها اقتربت من الأجواء المحيطة بالعاصمة الخرطوم قبل أن تتابع رحلتها إلى شرق السودان، وهو ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة المهمة التي كانت تنفذها. وفي التوقيت نفسه تقريبًا، ظهرت معلومات عن تحرك طائرة خاصة غير مسجلة بوضوح على أنظمة التتبع، اتخذت مسارًا من القاهرة إلى الخرطوم ثم بورتسودان.

قد تبدو هذه الرحلات عادية للوهلة الأولى، لكن في بلد يعيش حربًا مفتوحة منذ سنوات، تصبح كل حركة جوية مادة للتدقيق والتساؤل. فمن يقف خلف هذه الرحلات؟ وما طبيعة الشحنات أو الشخصيات التي جرى نقلها؟ ولماذا تتكرر الرحلات الخاصة والغامضة نحو شرق السودان؟

التحقيق في هذه الرحلات يقود إلى صورة أوسع تتعلق بالتحولات التي شهدتها بورتسودان منذ انتقال السلطة الفعلية إليها بعد انهيار الوضع الأمني في الخرطوم. المدينة الساحلية التي كانت تُعرف سابقًا كميناء تجاري أصبحت اليوم مركز القرار السياسي والعسكري، وبوابة السودان الوحيدة تقريبًا نحو العالم.

مصادر متابعة لحركة الطيران تشير إلى أن الرحلات القادمة من القاهرة نحو بورتسودان زادت بصورة لافتة خلال العامين الماضيين، بعضها رحلات مدنية معلنة، وبعضها الآخر رحلات شحن أو طائرات خاصة لا تتوفر عنها معلومات كاملة.

ويقول خبراء ملاحة إن استخدام الطائرات الخاصة في مناطق النزاعات ليس أمرًا استثنائيًا، بل يمثل جزءًا من أدوات إدارة الأزمات والحروب. فهذه الطائرات غالبًا ما تُستخدم لنقل شخصيات حساسة، أو معدات عالية القيمة، أو حتى رسائل سياسية وأمنية لا يراد الإعلان عنها.

لكن ما يثير الانتباه في الرحلة الأخيرة هو الجمع بين مسارين حساسين: القاهرة والخرطوم. فالقاهرة تُعتبر لاعبًا إقليميًا رئيسيًا في الملف السوداني، بينما تمثل الخرطوم مركز الصراع الأساسي بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وتشير بيانات التتبع المتداولة إلى أن الرحلة الخاصة لم تظهر بشكل كامل على بعض المنصات المفتوحة، وهو ما دفع مراقبين للحديث عن احتمال استخدام إجراءات تقنية تقلل من ظهور بيانات الطائرة، أو اعتماد أنظمة تشغيل لا تسمح بتتبع الرحلة بصورة مستمرة.

خبراء في أمن الطيران أوضحوا أن بعض الطائرات يمكن أن تختفي مؤقتًا من أنظمة التتبع نتيجة إغلاق أجهزة البث أو فقدان التغطية أو استخدام أنظمة تسجيل خاصة، خصوصًا في المناطق التي تشهد نزاعات أو عمليات عسكرية.

لكن خلف التفاصيل التقنية، يبرز سؤال أكثر أهمية: لماذا تشهد بورتسودان هذا الكم من الرحلات الخاصة والشحنية؟

الإجابة ترتبط على الأرجح بالدور الجديد الذي تلعبه المدينة في المعادلة السودانية. فبورتسودان ليست فقط مقرًا للحكومة، بل أصبحت مركزًا للاتصالات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل السودان. وتستضيف المدينة بصورة متكررة اجتماعات سياسية وأمنية، إضافة إلى استقبال وفود أجنبية وتحركات مرتبطة بالمساعدات والملفات العسكرية.

مصادر سياسية سودانية تتحدث عن نشاط متزايد خلف الكواليس يشمل لقاءات غير معلنة بين أطراف داخلية وإقليمية، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد السوداني ومنع انهيار الدولة بشكل كامل.

وفي هذا السياق، تصبح الرحلات الجوية الخاصة جزءًا من البنية الخفية للصراع، حيث يجري عبرها نقل المعلومات والأشخاص وربما التفاهمات أيضًا.

اللافت أن الغموض الذي يحيط بهذه الرحلات يتكرر بصورة شبه دائمة في مناطق الحروب، سواء في ليبيا أو سوريا أو أوكرانيا، حيث تتحول الطائرات الخاصة والشحنية إلى أدوات تستخدم بعيدًا عن التغطية الإعلامية التقليدية.

كما أن طبيعة الحرب السودانية نفسها تجعل من الصعب الحصول على معلومات دقيقة، في ظل تعدد الأطراف المتدخلة وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.

ويرى باحثون أن مراقبة حركة الطيران أصبحت خلال السنوات الأخيرة أداة أساسية لفهم ما يجري خلف الستار، خصوصًا مع اعتماد الصحفيين والباحثين على منصات تتبع الطائرات للكشف عن التحركات غير المعلنة.

لكن هذه الأدوات، رغم أهميتها، لا تقدم دائمًا الصورة الكاملة. فبعض الرحلات يمكن إخفاؤها جزئيًا أو التلاعب ببياناتها، كما أن وجود رحلة شحن أو طائرة خاصة لا يعني بالضرورة وجود نشاط غير قانوني أو سري.

وفي حالة السودان، يبقى المشهد أكثر تعقيدًا بسبب الحرب والانقسام السياسي والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن أي رحلة غير معتادة تتحول بسرعة إلى محور للتكهنات.

ومع استمرار الصراع، تبدو الأجواء السودانية مرشحة لمزيد من التحركات الغامضة، في وقت تتزايد فيه أهمية بورتسودان باعتبارها القلب النابض للدولة السودانية المؤقتة.

وفي انتظار أي توضيحات رسمية، ستظل الرحلات الجوية بين القاهرة وبورتسودان مادة مفتوحة للأسئلة، وعنوانًا جديدًا لحرب تدور ليس فقط على الأرض، بل في السماء أيضًا.

زر الذهاب إلى الأعلى