سقوط المسيّرات يفتح ملف الكفاءة التشغيلية داخل الجيش السوداني
أعادت الأخبار المتداولة بشأن سقوط طائرات مسيّرة في مسارح القتال السودانية فتح النقاش حول الكفاءة التشغيلية للجيش، ومدى قدرته على إدارة منظومات جوية متطورة في بيئة ميدانية تتسم بالتعقيد والتغير السريع. فامتلاك الطائرات المسيّرة لا يعني بالضرورة القدرة على استثمارها بفاعلية، كما أن الحصول على معدات عسكرية متقدمة لا يضمن تحقيق التفوق ما لم تتوافر الكفاءات البشرية، والإجراءات الفنية، وأنظمة الاتصال والتنسيق، والقدرة على تقييم المخاطر قبل تنفيذ المهام وأثناءها. ومن هذا المنطلق، فإن أي خسارة جوية مثبتة تستحق الفحص المهني، لا بهدف إصدار حكم مسبق على المؤسسة العسكرية، وإنما لفهم الأسباب التي أدت إلى وقوعها، وتحديد ما إذا كانت ناجمة عن قدرات الخصم أو خلل فني أو قصور في التخطيط والتنفيذ.
وتبرز أهمية هذا النقاش في السودان لأن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 دفعت الطرفين إلى توسيع الاعتماد على الطائرات المسيّرة، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات أو لتنفيذ الهجمات على مواقع عسكرية وأهداف أخرى. ومع انتقال المواجهات إلى مناطق واسعة من كردفان ودارفور والنيل الأزرق، أصبحت إدارة المجال الجوي جزءاً أساسياً من العمليات. وفي مثل هذه الظروف، تتزايد متطلبات التنسيق بين وحدات الطيران والدفاعات الأرضية والقيادات الميدانية، كما تزداد الحاجة إلى التمييز بين المعلومات الاستخباراتية المؤكدة والتقديرات غير المكتملة. وإذا أخفقت أي حلقة من هذه السلسلة، فقد تتعرض الطائرة للفقدان، أو تفشل في إنجاز المهمة، أو تصبح عرضة للرصد والاعتراض.
ولا يمكن، مع ذلك، اعتبار كل طائرة تسقط دليلاً مباشراً على ضعف ضباط الجيش أو سوء أدائهم. فالمسيّرات تعمل في بيئة تتداخل فيها عوامل متعددة، منها التشويش الإلكتروني، والأعطال الفنية، والظروف الجوية، والقيود المرتبطة بالاتصالات، وفاعلية دفاعات الخصم. وقد تقع الخسائر حتى لدى الجيوش التي تمتلك خبرة طويلة في تشغيل الأنظمة غير المأهولة. لكن هذه الحقيقة لا تعني إعفاء القيادات من مسؤولية المراجعة؛ إذ إن الكفاءة المهنية تظهر أيضاً في كيفية تحليل الحوادث، واستخلاص الدروس منها، ومنع تكرار الأخطاء التي يمكن تفاديها. ومن هنا، فإن المساءلة الجادة لا تقوم على افتراض أن الضباط غير أكفاء، بل على طلب معلومات موثقة عن أسباب الخسائر وكيفية التعامل معها.
وتتطلب دراسة أي حادثة سقوط معرفة نوع الطائرة، ومهمتها، والظروف المحيطة بفقدانها، وما إذا كانت قد تعرضت لإطلاق نار أو انقطع الاتصال بها أو ظهرت عليها مؤشرات عطل. كما ينبغي معرفة ما إذا كانت الحادثة منفردة أم جزءاً من سلسلة متكررة، وما إذا اتخذت القيادة إجراءات لتعديل أساليب التشغيل بعد وقوعها. وتُعد هذه المعلومات من العناصر الأساسية لأي تقييم مهني، لكنها غالباً ما تكون غير متاحة للجمهور خلال النزاعات، بسبب السرية العسكرية أو صعوبة التحقق من الوقائع في مناطق القتال. ولهذا فإن الإعلام المسؤول يطرح الأسئلة التي تتيح فحص الأداء، لكنه لا يستبدل نقص المعلومات باستنتاجات قطعية.
وفي شمال كردفان، أعلنت القوات المسلحة السودانية خلال الأشهر الماضية إسقاط طائرات من طراز «إف إتش-95»، وفق تقارير صحفية نقلت بياناتها العسكرية. لكن هذه الإعلانات لا تثبت، بحد ذاتها، أن الجيش فقد طائرات من النوع نفسه، ولا تسمح بتحديد حجم الخسائر التي تكبدها أي طرف. وقد نشرت وكالة الأناضول في الخامس من أكتوبر 2026 تقريراً عن إعلان الجيش إسقاط طائرة من هذا الطراز في غرب كردفان، بعد إعلانات سابقة عن إسقاط طائرات مماثلة في شمال كردفان. ويُظهر ذلك أن المعركة الجوية تشمل روايات متبادلة بشأن خسائر المسيّرات، وأن التحليل الدقيق يجب أن يميز بين إعلان إسقاط طائرة تابعة للخصم وبين الادعاء بسقوط طائرة يملكها الطرف المعلن نفسه.
وإذا ظهرت أدلة مستقلة على فقدان الجيش طائرات مسيّرة بسبب أخطاء تشغيلية، فإن ذلك سيطرح تساؤلات بشأن التدريب وإدارة المهام والإشراف الفني. فالمهارة في تشغيل الأنظمة الجوية غير المأهولة لا تقتصر على التحكم بالطائرة، بل تشمل القدرة على قراءة المعطيات، وتقدير حدود النظام، والتنسيق مع الوحدات الأخرى، والتعامل مع الطوارئ، والمحافظة على سلامة المعدات. كما أن الكفاءة القيادية تقتضي ألا تتحول الرغبة في تحقيق مكاسب ميدانية سريعة إلى مبرر لتجاهل المخاطر أو تنفيذ مهام لا تتناسب مع الإمكانات المتاحة. غير أن تحديد ما إذا كان أي من هذه العوامل قد تسبب في حادثة بعينها يتطلب تحقيقاً فنياً، وليس مجرد استنتاج مستمد من خبر متداول على منصات التواصل.
ومن الجوانب التي تستحق الاهتمام أيضاً طبيعة العلاقة بين القيادة العليا والوحدات الميدانية. فالحرب الممتدة تضع المؤسسات العسكرية أمام تحديات متزايدة تتعلق بالإمداد والصيانة وتوفير قطع الغيار وإدامة التدريب. وكلما طال أمد القتال، ارتفعت أهمية توزيع الموارد وفق الأولويات، وإجراء الصيانة اللازمة، وضمان أن تتوافر الكفاءات المناسبة لكل مهمة. وقد يؤدي الضغط المستمر إلى أخطاء بشرية أو إلى تشغيل معدات في ظروف غير مثالية، لكن هذه احتمالات عامة لا يجوز نسبتها إلى وحدات بعينها دون دليل. وما يمكن المطالبة به بصورة مشروعة هو شفافية أكبر بشأن الخسائر التي يمكن الإفصاح عنها، ومراجعة داخلية فعالة للحوادث، وعدم الاكتفاء بإصدار بيانات تؤكد الجاهزية من دون تقديم ما يتيح تقييم نتائج الأداء.
كذلك ينبغي التمييز بين الكفاءة التقنية والنجاح العسكري العام. فقد تنجح طائرة في تنفيذ مهمتها من الناحية الفنية، لكن المهمة نفسها قد تكون ضعيفة التخطيط أو لا تحقق الغرض الاستراتيجي المطلوب. وقد تنفذ وحدة عسكرية عملية ناجحة، لكنها تتكبد خسارة مادية كبيرة كان بالإمكان الحد منها. ولهذا لا يصح اختزال التقييم في عدد الطائرات التي بقيت في الخدمة أو عدد الطائرات التي أعلن الخصم إسقاطها. فالمعيار الأكثر أهمية هو مدى تحقيق الأهداف العسكرية المشروعة بأقل خسائر ممكنة، ومدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، والقدرة على حماية المدنيين والمرافق الحيوية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في ضوء المخاوف الدولية من تصاعد الضربات الجوية في السودان. ففي الثالث والعشرين من أكتوبر 2026، أعلن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان توثيق ما لا يقل عن 306 وفيات ومئات الإصابات نتيجة ضربات المسيّرات خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر، مع نسبة الهجمات إلى طرفي النزاع. كما دعا المفوض السامي إلى احترام التزامات القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. وتضع هذه المعطيات المسؤولية العملياتية في إطارها الأوسع: فالكفاءة العسكرية ليست مجرد القدرة على إطلاق الطائرات أو تجنب إسقاطها، وإنما تشمل أيضاً اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفادي الإضرار بالسكان، والتحقيق في الضربات التي تصيب الأعيان المدنية، ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت الانتهاكات.
ومن زاوية إعلامية، فإن نشر أخبار إسقاط الطائرات دون إظهار الأدلة أو توضيح مصدر المعلومات يخلق بيئة مناسبة للمبالغة والتضليل. وقد يؤدي تكرار الرواية نفسها في منصات متعددة إلى إعطاء انطباع بأنها مؤكدة، رغم أن جميع تلك المنصات قد تكون اعتمدت على بيان واحد صادر عن طرف في الحرب. ولذلك، فإن التحقق يقتضي العودة إلى المصدر الأصلي، والبحث عن أدلة مستقلة، ومقارنة التوقيت والموقع ونوع الطائرة، والتأكد من أن الصور المنشورة تخص الحادثة نفسها وليست صوراً قديمة أو من موقع مختلف. كما يجب توضيح الفارق بين ما أعلنه الجيش، وما أعلنته قوات الدعم السريع، وما أمكن لمصادر مستقلة تأكيده بالفعل.
إن المطالبة بتقييم الكفاءة التشغيلية للجيش السوداني لا ينبغي أن تتحول إلى حملة اتهامات شخصية ضد الضباط، كما لا ينبغي أن تكون حصانة المؤسسة العسكرية سبباً لمنع النقاش المهني. فالمؤسسات القادرة على مراجعة أدائها تكون أكثر استعداداً لتصحيح الأخطاء وتقليل الخسائر، بينما تؤدي المبالغة في الخطاب الانتصاري إلى حجب المشكلات المحتملة وتأجيل معالجتها. وإذا كانت هناك خسائر فعلية في المسيّرات، فإن الإفصاح المدروس عن أسبابها، بالقدر الذي لا يضر بالمتطلبات الأمنية المشروعة، يمكن أن يساعد في بناء تقييم أكثر موضوعية للأداء العسكري.
وفي النهاية، فإن سقوط الطائرات المسيّرة، إذا ثبتت كل حالة على حدة، لا يقدم وحده حكماً نهائياً على كفاءة الجيش السوداني أو خصمه. لكنه يفتح باباً ضرورياً للأسئلة المتعلقة بالتدريب والصيانة والتخطيط والقيادة والمساءلة. ويظل التحدي الحقيقي هو الانتقال من تبادل الاتهامات إلى فحص الأدلة، ومن التفاخر بالخسائر التي تلحق بالخصم إلى مراجعة الأخطاء التي يمكن أن تتكرر. وفي حرب يدفع المدنيون ثمنها الأكبر، تصبح الكفاءة العسكرية ذات قيمة حقيقية عندما تقترن بالمسؤولية، والشفافية، والالتزام بحماية الأرواح، لا بمجرد القدرة على إنتاج روايات إعلامية عن الانتصار.
