شرق الكونغو على المحك.. معادلة جديدة تحدد التوازن العسكري والسياسي
مدينة استراتيجية بالشرق الكونغولي خارج قبضة متمردي «إم 23»، فيما يعيد فتح معبر أساسي لحركة التجارة والنقل، الحياة للمنطقة المضطربة.
مفاتيح تعيد رسم المعادلة الأمنية في منطقة غنية بالموارد لكنها تشهد اضطرابات عنيفة منذ ثلاثة عقود، انفجر آخرها بعد عودة حركة “23 مارس” المعروفة اختصارا بـ”إم 23″، في 2021.
وانسحبت “إم 23” من أوفيرا في يناير/ كانون الثاني الماضي، وحينها قالت الحركة المتمردة إن انسحابها تم بطلب الولايات المتحدة التي سعت لأداء دور الوساطة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في آخر نزاع بينهما.
ويعتبر خبراء أن انسحاب المتمردين من المدينة الاستراتيجية الواقعة في إقليم جنوب كيفو شرقي الكونغو الديمقراطية، وإعادة فتح معبر كافيمفيرا الحدودي بعد أكثر من شهرين من الإغلاق، يمثلان تحولًا مهمًا في معادلة القوة بالمنطقة.
كما يرون أن الحدثين يعززان التنسيق العسكري والدبلوماسي بين كينشاسا وبوجمبورا، في خطوة من المتوقع أن تخفف التوترات وتدعم الاستقرار الإقليمي.
يقول الدكتور النيجيري أديكي أديباغو، رئيس مركز “أفريكا” في “جامعة روبرتسون للسلام والأمن الدولي”، إن “انسحاب المتمردين من أوفيرا وفتح معبر كافيمفيرا يعكسان ضغطًا دبلوماسيًا وعسكريًا من قوى محلية وإقليمية، بما في ذلك جهود التنسيق بين بوروندي والكونغو الديمقراطية”.
ويضيف أديباغو أن “هذا الانسحاب يعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة، حيث إن بقاء الجماعة كان يستنزف قدرات الجيش الكونغولي ويفاقم التوتر مع دول الجوار”.
وأوضح أديباغو أن “فتح المعبر يعيد تدفق السلع والأشخاص، ما من شأنه دعم الاقتصاد المحلي وتقليل الضغط على المجتمعات الحدودية التي أصبحت تعتمد على طرق التهريب أو المسارات غير الرسمية”.
ويقع المعبر على الضفة الشمالية لبحيرة تنجانيقا، ويربط مدينة أوفيرا في الكونغو بالعاصمة التجارية لبوروندي بوجمبورا، ويعد شريانا أساسيا لحركة التجارة والنقل بين البلدين
وبحسب الخبير، فإن “انسحاب إم 23 وفر فرصة لتعزيز الثقة بين الجيشين الكونغولي والبوروندي، مما سمح ببدء تنسيق أمني جديد”، موضحاً أن هذا الانسحاب يعيد ترتيب شبكة العلاقات ويقلص النفوذ العنيف للمسلحين في الشرق الكونغولي”.
وتابع أن “عودة المعبر الحدودي إلى العمل تعني أيضًا أن كلا البلدين مستعدان للمضي قدمًا في تعاون اقتصادي وأمني، ما قد يمهد لمرحلة أكثر استقرارًا في المنطقة، رغم أن التحديات لا تزال قائمة مع استمرار انتشار بعض الجماعات المسلحة”.
“قوة جديدة”
من جانبها، قالت الدكتورة فانمي ألونيساكن، الباحثة النيجيرية في دراسات الأمن الدولي وأفريقيا، والمتخصصة في قضايا البناء الأمني والتعاون الإقليمي بالقارة، إن “انسحاب المتمردين من مدينة أوفيرا وفتح المعبر الحدودي مع بوروندي يمثل خطوة استراتيجية أساسية لإعادة استقرار المنطقة”.
وترى ألونيساكن أن “هذا الانسحاب يعزز التنسيق العسكري والأمني بين قوات كينشاسا وبوروندي، ويفتح المجال لدعم اقتصادي ولوجستي مهم للكونغو الديمقراطية، ما سيغير معادلة القوة في شرق البلاد، ويمنح الحكومة المحلية قدرة أكبر على فرض سيادتها ومواجهة التهديدات المسلحة في المنطقة الحدودية”.
وأضافت أن استمرار التنسيق مع بوروندي سيتيح تحركًا أسرع ومرونة أكبر في الاستجابة للأزمات، ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على استغلال الفجوات الأمنية، معتبرة أن هذه الخطوة تؤسس لنموذج تعاون إقليمي قد يُعمم في مناطق أخرى من أفريقيا الكبرى المتأثرة بالصراعات المسلحة.
وأوضحت أن فتح المعبر الحدودي بعد انسحاب المتمردين لا يقتصر على البعد الأمني فقط، بل يحمل أبعادًا اقتصادية وإنسانية مهمة، حيث سيسمح بتدفق البضائع والمواد الأساسية مثل الغذاء والدواء والبناء بين بوروندي والكونغو الديمقراطية، ما يخفف من الأزمات الإنسانية في شرق البلاد.
والخطوة، وفق الباحثة، “تعزز الثقة بين الأطراف المحلية والإقليمية، وتشجع على المزيد من التعاون لمكافحة تهريب الأسلحة ووقف دعم الجماعات المسلحة عبر الحدود”، مؤكدًة أن معادلة القوة الجديدة ستعطي الحكومة القدرة على فرض سلطة الدولة بشكل أكثر فعالية على كامل المنطقة الحدودية.
نفوذ يتغير
والإثنين الماضي، أعادت السلطات البوروندية، فتح معبر كافيمفيرا الحدودي مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد أكثر من شهرين على إغلاقه بسبب المعارك الدائرة في شرق البلد الأخير.
وكان هذا المعبر الحيوي قد أغلق في ديسمبر/ كانون الأول 2025 بعد هجوم شنته “إم 23” على أوفيرا، مما أدى إلى تصاعد التوترات وحدوث أزمة دبلوماسية بين كينشاسا وبوجومبورا، واضطرار بوروندي لإغلاق حدوده.
وإلى جانب عودة الحركة التجارية والمواصلات عبر نقطة العبور، تُعَد هذه الخطوة مؤشرًا على تحسن العلاقات الأمنية بين الجيش الكونغولي والحكومة البوروندية، بعد أن أعلن المتمردون في يناير/ كانون الثاني الماضي سحب قواتهم من أوفيرا.
ويعاني الشرق الكونغولي منذ ثلاثة عقود من النزاع، وكانت جماعة “23 مارس” قد استأنفت نشاطها في 2021، مما أثار موجة عنف جديدة.
وعلى الرغم من استمرار انتشار عناصر الجماعة في بعض المناطق، فإن إغلاق المعابر الأخرى لا يزال قائمًا في مناطق يصعب الوصول إليها.
ومنذ بدء هجوم المتمردين على أوفيرا، فرّ أكثر من 80 ألف شخص إلى بوروندي، وفق الأمم المتحدة، وكثير منهم يعيشون في مخيمات مكتظة تشهد تفشّي أمراض مثل الكوليرا.
