سياسة

عملية بارباروسا.. مقامرة نازية قلبت موازين الحرب العالمية الثانية


في الساعات الأولى من فجر الثاني والعشرين من يونيو/حزيران 1941، أطلق النظام النازي بقيادة أدولف هتلر أعتى عملية عسكرية في تاريخ الحروب الحديثة، مُوجّهاً ضربته نحو الاتحاد السوفياتي في حملة حملت اسم “عملية بارباروسا”.

بهذا الهجوم، فُتِحت الجبهة الشرقية للحرب العالمية الثانية، الجبهة التي ستتحول لاحقاً إلى أكثر مسارح الحرب دموية في تاريخ البشرية، وفقا لموقع ذا كولكتور.

شكل الغزو النازي خرقاً صارخاً لمعاهدة عدم الاعتداء التي جمعت برلين وموسكو عام 1939، وجاء تتويجاً لشهور من التحضيرات العسكرية السرية التي صمّمتها القيادة الألمانية لتحقيق نصر خاطف يُمحو الدولة السوفياتية من الوجود في غضون أسابيع.

جيش ضخم وثلاثة محاور نارية

عند لحظة الانطلاق، حشدت ألمانيا النازية ثلاثة ملايين جندي على امتداد الحدود السوفياتية، ليرتفع العدد إلى ما يقارب أربعة ملايين مع التحاق قوات من رومانيا والمجر وفنلندا وإيطاليا وسلوفاكيا.

وتحت غطاء جوي كثيف، تحركت آلاف الدبابات وأكثر من سبعة آلاف قطعة مدفعية، ونحو ثلاثة آلاف طائرة من سلاح الجو الألماني “لوفتفافه”، في واحدة من أعقد العمليات اللوجستية في التاريخ.

عملية بارباروسا... صورة أرشيفية

قُسّمت القوات الغازية إلى ثلاث مجموعات رئيسية: مجموعة الشمال التي اندفعت عبر دول البلطيق باتجاه لينينغراد، ومجموعة الوسط التي استهدفت سمولينسك ثم موسكو، ومجموعة الجنوب التي توغلت في أوكرانيا وجنوب روسيا للسيطرة على الأراضي الزراعية الخصبة وموارد الطاقة الاستراتيجية.

صدمة الكرملين وضعف القيادة

على الرغم من توافر مؤشرات استخبارية متعددة عن الهجوم الوشيك، أصيبت القيادة السوفياتية بقيادة جوزيف ستالين بصدمة استراتيجية شاملة، إذ لم يكن يتوقع أن يوجه هتلر ضربته بهذه السرعة والشراسة.

وزاد الطين بلةً أن حملات التطهير الدموية التي طالت صفوف الجيش الأحمر في أواخر الثلاثينيات كانت قد جرّدت القيادة العسكرية من خيرة كوادرها، ما أفقدها القدرة على التصدي السريع والمنظم.

استغل الألمان هذا الفراغ القيادي، فحققوا اختراقات هائلة في الأسابيع الأولى. ودمّر سلاح الجو الألماني مئات الطائرات السوفياتية وهي على الأرض، وحاصرت الفرق المدرعة جيوشاً بأكملها في عمليات تطويق كبرى أسفرت عن أسر مئات الآلاف من الجنود، كما حدث في معركتي بياليستوك-مينسك وسمولينسك.

وبحلول سبتمبر/أيلول، كانت لينينغراد تحت الحصار، بينما حققت مجموعة الجيوش الجنوبية نصراً ساحقاً بتطويقها قوات سوفياتية هائلة قرب كييف، وأسرت أكثر من ستمائة ألف جندي في أكبر عملية تطويق في التاريخ العسكري.

الشتاء يحسم المعادلة

مع حلول الخريف، حوّل هتلر أنظاره نحو موسكو، وأطلق عملية “تايفون” لاقتحام العاصمة. تقدمت القوات الألمانية حتى باتت على مرمى حجر من الكرملين، لكن الطبيعة حالفت السوفيات.

تحوّلت الطرق إلى وحل عميق بفعل الأمطار الموسمية، ثم حل الشتاء القارس باكراً، والجنود الألمان بلا تجهيزات شتوية.

وفي ديسمبر/كانون الأول، شنّ الجيش الأحمر هجوماً مضاداً شرساً أجبر الألمان على التراجع للمرة الأولى، محطماً بذلك أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ومعلناً نهاية حلم “الحرب الخاطفة”.

عملية بارباروسا... صورة أرشيفية

جحيم الخسائر وحرب الإبادة

بلغت الخسائر البشرية أبعاداً غير مسبوقة منذ الأشهر الأولى، حيث خسرت ألمانيا وحلفاؤها ما بين 750 ألفاً ومليون جندي بين قتيل وجريح ومفقود خلال عام 1941 وحده، بينما كانت الخسائر السوفياتية كارثية ما بين ثلاثة وأربعة ملايين جندي وقعوا في الأسر، إضافة إلى مئات الآلاف من القتلى والجرحى.

نقطة تحول نحو الهاوية

تحوّلت عملية بارباروسا من محاولة خاطفة لفرض هيمنة ألمانية على الشرق إلى مستنقع استنزاف عملاق ابتلع الموارد البشرية والاقتصادية للرايخ الثالث.

وبدلاً من القضاء على الاتحاد السوفياتي في أشهر، وجدت برلين نفسها أمام خصم هائل يمتلك عمقاً جغرافياً لا ينضب، وقدرة مذهلة على نقل صناعاته الحربية إلى جبال الأورال وإعادة تنظيم جيشه.

شكل فشل الهجوم على موسكو نقطة تحول استراتيجية كبرى، مهّدت الطريق لهزيمة ألمانيا النازية وسقوطها المدوي بعد 4 سنوات من الجحيم المتواصل على الجبهة الشرقية، التي ستظل الأكثر دموية في التاريخ الحديث بعشرين مليون قتيل سوفياتي بين عسكري ومدني.

زر الذهاب إلى الأعلى