قرار البرهان بحل لواء البراء بن مالك… إعادة رسم موازين القوة داخل المؤسسة العسكرية

في لحظة سياسية وأمنية دقيقة يعيشها السودان، يبرز توجه قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان نحو حل لواء البراء بن مالك باعتباره خطوة تعكس تحولات عميقة في بنية السلطة داخل المؤسسة العسكرية، كما تكشف عن إدراك متزايد بخطورة تنامي مراكز القوة الموازية التي قد تهدد وحدة القرار العسكري. هذا القرار، وإن بدا في ظاهره إجراءً تنظيميًا، إلا أنه يحمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل الدولة.
لقد شكّل لواء البراء بن مالك خلال الفترة الماضية نموذجًا لتشكيلات عسكرية ذات طابع تعبوي وأيديولوجي، استطاعت أن تفرض حضورًا واضحًا في ساحات القتال، مستفيدة من حالة الفراغ التي أحدثتها الحرب، ومن الحاجة إلى تعبئة قوى إضافية لدعم الجيش. غير أن هذا الحضور المتنامي لم يكن خاليًا من التبعات، إذ بدأ يثير مخاوف داخل قيادة الجيش من احتمال تحوله إلى قوة مستقلة قادرة على التأثير في القرار العسكري.
البرهان، الذي يدير معركة معقدة على أكثر من مستوى، يدرك أن بقاء مثل هذه التشكيلات خارج السيطرة الكاملة للمؤسسة العسكرية يشكل خطرًا استراتيجيًا. فالتاريخ السوداني، كما تجارب دول أخرى، يبين أن تعدد مراكز القوة المسلحة يؤدي غالبًا إلى انقسامات داخلية، وربما إلى صراعات مفتوحة. ومن هنا، فإن قرار الحل يمكن قراءته كخطوة تهدف إلى منع تكرار سيناريوهات التفكك.
المحور الأول في هذا القرار يتعلق بمسألة السيطرة على القرار العسكري. فالجيش يسعى إلى الحفاظ على هرمية واضحة، تضمن انضباط القوات وخضوعها لقيادة مركزية واحدة. وجود لواء يتمتع باستقلال نسبي، سواء في التمويل أو في التوجيه، يهدد هذه الهرمية، ويخلق حالة من الازدواجية في مراكز القرار.
أما المحور الثاني، فيتعلق بالبعد السياسي. إذ أن لواء البراء بن مالك لا ينفصل عن سياق التيار الإسلامي في السودان، وهو ما يضفي عليه بعدًا يتجاوز العمل العسكري. هذا الارتباط يثير قلق البرهان، الذي يسعى إلى تقديم نفسه كقائد وطني لا يخضع لأي أجندة أيديولوجية، خاصة في ظل الحاجة إلى كسب دعم داخلي وخارجي.
المحور الثالث يتمثل في التخوف من التحول التدريجي للواء إلى لاعب سياسي مستقل. فالتاريخ القريب في السودان أظهر كيف يمكن للقوى المسلحة أن تتحول إلى فاعلين سياسيين مؤثرين، وهو ما لا يرغب البرهان في تكراره. لذلك، فإن الحل يأتي كإجراء وقائي لمنع هذا التحول.
إلى جانب ذلك، فإن القرار يعكس محاولة لإعادة هيكلة التحالفات داخل المؤسسة العسكرية. فخلال الحرب، اضطر الجيش إلى الاستعانة بقوى مختلفة، بعضها يحمل أجندات خاصة. ومع تغير الظروف، أصبح من الضروري إعادة تقييم هذه التحالفات، والتخلص من تلك التي قد تشكل عبئًا في المستقبل.
لكن هذه الخطوة ليست خالية من المخاطر. فحل لواء البراء بن مالك قد يؤدي إلى ردود فعل داخلية، خاصة من العناصر المرتبطة به، أو من القوى السياسية التي ترى فيه امتدادًا لنفوذها. كما أن ذلك قد يفتح الباب أمام توترات جديدة داخل الجيش نفسه، إذا لم يتم التعامل مع الملف بحذر.
في المقابل، قد يسعى البرهان إلى امتصاص هذه التداعيات عبر استيعاب بعض عناصر اللواء داخل القوات النظامية، أو عبر تقديم مبررات مقنعة للرأي العام بأن القرار يأتي في إطار إصلاح المؤسسة العسكرية. نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد إلى حد كبير على طريقة تنفيذ القرار، وعلى قدرة القيادة على إدارة المرحلة الانتقالية.
في النهاية، يمكن القول إن قرار حل لواء البراء بن مالك يمثل لحظة مفصلية في مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية في السودان. فهو يعكس صراعًا بين منطق الدولة المركزية ومنطق التعددية المسلحة، كما يكشف عن تحديات عميقة تواجه القيادة في سعيها لتحقيق الاستقرار.
