كيف ساهمت المحاور الإقليمية في تفكيك الدولة السودانية؟
يتسم المشهد السوداني بازدحام الفاعلين الخارجيين الذين تتناقض مصالحهم الحيوية، مما منع تشكيل جبهة موحدة قادرة على فرض السلام:
- مصر وهوس الاستقرار الاستراتيجي: ترى القاهرة أن أي تهديد للجيش السوداني هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري. السودان بالنسبة لمصر ليس مجرد جار، بل هو عمق دفاعي وحليف حيوي في الصراع التاريخي حول مياه النيل وضبط الحدود من التسلل الإرهابي، مما دفعها للانحياز التام للمؤسسة العسكرية.
- السعودية وطموح الزعامة البحرية: تنظر الرياض إلى السودان من منظور رؤيتها الاقتصادية والأمنية الطموحة للبحر الأحمر. تسعى السعودية للاستحواذ على ملف الحل والربط عبر دبلوماسية المؤتمرات، مع الحفاظ على شعرة معاوية مع قوات الدعم السريع التي شاركت سابقاً في حرب اليمن تحت مظلة التحالف.
- تركيا وقطر والإرث الأيديولوجي والاقتصادي: تمتلك أنقرة والدوحة إرثاً كبيراً من العلاقات مع السودان، لا سيما في حقبة البشير. تسعى الدولتان إلى عدم خسارة نفوذهما الاقتصادي والاستراتيجي (مثل الطموح التركي في البحر الأحمر عبر بوابة الاستثمار اللوجستي)، وتأمين حضور القوى السياسية التقليدية والمدنية القريبة منهما لضمان عدم انفراد المحور المصري السعودي بالقرار السوداني.
هذه البيئة التنافسية أوجدت مشهداً سودانياً عاجزاً عن التنفس بشكل مستقل، حيث باتت القرارات السياسية والعسكرية في الخرطوم وبورتسودان مرتبطة بحسابات العواصم الأربع.
تأثير الدعم والتدخلات غير المباشرة في تغذية الصراع
لم تكن التدخلات الإقليمية تهدف بالضرورة إلى إشعال الحرائق، لكن طريقة تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والدبلوماسي غير المباشر أدت إلى إطالة أمد الصراع عبر منع حدوث انكسار عسكري حاسم أو تسوية سياسية منصفة:
- الغطاء الدبلوماسي الذي قدمته مصر وسعت من خلاله لشرعنة تحركات الجيش السوداني: ساعد هذا الغطاء في تخفيف حِدة الضغوط الإفريقية والدولية الرامية لفرض عقوبات مشددة، مما جعل قيادة الجيش تشعر بقدرتها على مواصلة العمليات العسكرية دون الخوف من عزلة دولية مطلقة.
- الاستثمارات وشبكات الإمداد المالي المرتبطة بقطر وتركيا: على الرغم من أنها اتخذت طابعاً تجارياً وإنسانياً في كثير من الأحيان، إلا أنها ساعدت في توفير موارد حيوية للاقتصاد الحربي في مناطق سيطرة الجيش، وثبتت من أقدام شبكات النفوذ القديمة التي ترى في استمرار الحرب فرصة لإعادة إنتاج نفسها.
- المرونة السعودية تجاه الدعم السريع: المحاولات السعودية للوقوف في منطقة الوسط واستضافة مفاوضات جدة منحت قوات الدعم السريع شرعية سياسية كطرف مكافئ للدولة، وهو ما استغلته القيادة العسكرية للدعم السريع للاستمرار في التوسع الميداني، مستفيدة من البطء الدبلوماسي والتردد الإقليمي في اتخاذ مواقف حازمة ضد انتهاكاتها.
إعادة تشكيل موازين القوى والتأسيس للانقسام الجغرافي
ساهمت التحركات والاصطفافات الإقليمية في خلق واقع جديد على الأرض السودانية، أعاد رسم توازنات القوى العسكرية والمجتمعية بشكل يهدد وحدة البلاد:
- صناعة كانتونات النفوذ: تحول شرق السودان وشماله، بفضل الدعم المصري اللوجستي والسياسي المستمر، إلى مركز ثقل أساسي للحكومة والجيش، مما أوجد انفصالاً واقعياً في الإدارة والتوجه عن وسط وغرب البلاد.
- تأجيج النعرات والتحالفات القبلية: الدعم والاتصالات الإقليمية غير المباشرة التي استفاد منها طرفا النزاع أسهمت في عسكرة القبائل والمجتمعات المحلية. فالأطراف المحلية، لشعورها بوجود ظهير إقليمي لكل محور، اندفعت نحو الاستقطاب القبلي الحاد (بين مجموعات النيل ومجموعات الغرب)، مما جعل الحرب تتحول تدريجياً من صراع سياسي عسكري إلى حرب أهلية ذات طابع عرقي ومجتمعي مدمر.
- توظيف الملف الاقتصادي للاستقطاب: إن الوعود بالاستثمارات المستقبلية أو المساعدات المالية من القوى الإقليمية المختلفة (سواء لتمويل مشاريع زراعية أو إعمار موانئ) استخدمت كأوراق ضغط لشراء ولاءات قيادات أهلية وعسكرية داخل السودان، مما أضعف الولاء للدولة المركزية وعزز الولاء للمحاور الخارجية.
انعكاسات الصراع على الأمن الإقليمي والدولي وتوازنات المنطقة
تثبت الأزمة السودانية أن انهيار دولة بحجم السودان لا يمكن حصره داخلياً، بل يحمل تداعيات استراتيجية خطيرة تمس الأمن الجماعي الدولي:
- تصدير الأزمات الإنسانية والضغط على الجوار: شكل النزوح المليوني واللجوء العابر للحدود ضغطاً هائلاً على دول الجوار الهشة أصلاً. مصر واجهت تحديات أمنية واقتصادية متزايدة لاستيعاب المهاجرين، في حين تحولت الحدود الغربية والجنوبية للسودان إلى بؤر توتر تصدر عدم الاستقرار إلى تشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان.
- عسكرة البحر الأحمر وفقدان السيطرة: يُعد الساحل الشرقي للسودان محط أنظار ومصالح حيوية للسعودية ومصر ومظلة التنافس التركي. إن انهيار السلطة المركزية السودانية على الساحل يفتح المجال لسيطرة أمراء الحرب أو تنامي نشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة وتهريب البشر، مما يهدد الملاحة الدولية في واحد من أهم الشرايين الاقتصادية للعالم.
- تهديد الأمن المائي العربي: يمثل عدم الاستقرار في السودان شللاً تاماً للتنسيق المصري السوداني في ملف سد النهضة، وهو ما يضعف الموقف التفاوضي العربي ويهدد الأمن المائي لمصر، مما يثبت أن التدخلات غير المدروسة ارتدت سلباً على الأمن القومي للدول المتدخلة نفسها.
تحديات المسار السياسي الدولي وفشل دبلوماسية الوساطة
يقف تعدد الفاعلين الإقليميين وتناقض مصالحهم كحجر عثرة أساسي أمام أي تسوية سياسية دولية، حيث تحولت مبادرات السلام إلى ساحة أخرى للمنافسة:
- التنافس بين المبادرات الإقليمية: شهدت الأزمة صراعاً صامتاً بين المبادرة السعودية-الأمريكية (منبر جدة) والمبادرات المصرية (مؤتمر دول جوار السودان)، إلى جانب تحركات الاتحاد الإفريقي والإيقاد. هذا التنافس أدى إلى تشتيت الجهود الدولية، وسمح للأطراف المتحاربة باللعب على التناقضات الإقليمية للتهرب من الالتزامات.
- انعدام الثقة المتبادلة بين الوسطاء: تخشى القاهرة أن تؤدي أي وساطة تقودها عواصم أخرى إلى اتفاق يمنح قوى غير منضبطة (مثل الدعم السريع أو تجمعات سياسية معينة) نفوذاً على حدودها الجنوبية. وبالمثل، ترتاب أطراف إقليمية أخرى من أي دور مصري منفرد قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نظام عسكري شمولي يقصي حلفاءها السياسيين، مما يجعل الوسطاء أنفسهم بحاجة إلى وسيط لتقريب وجهات نظرهم.
- غياب الإرادة الدولية الحاسمة: تسبب انشغال القوى الدولية الكبرى (مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) بأزمات عالمية أخرى في ترك الملف السوداني لقمة سائغة للتجاذبات الإقليمية، وحيث إن هذه الدول الإقليمية لا تمتلك مصلحة في فرض سلام لا يضمن حصتها بالكامل، فقد استمرت الحرب كخيار افتراضي تدعمه قنوات خلفية متعددة.
إن قراءة السياسة الإقليمية تجاه السودان تكشف عن مأساة حقيقية؛ حيث تداخلت حسابات الأمن القومي المصري، مع طموحات السيادة البحرية السعودية، والإرث السياسي والاقتصادي لتركيا وقطر، ليتشكل من هذا التداخل مزيج مدمر أحرق فرص السلام. إن الاستمرار في تقديم الدعم اللامحدود أو تبرير أفعال أطراف الصراع تحت دعاوى الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لن يقود إلا إلى تحويل السودان إلى دولة فاشلة بشكل كامل، وهو سيناريو لن ينجو من تداعياته الكارثية أي من هؤلاء الفاعلين الإقليميين.
