مجزرة الضعين الطبية: كيف دخلت الطائرات المسيّرة الحرب ضد المستشفيات في السودان؟
كان من المفترض أن يكون مساء أول أيام عيد الفطر في مدينة الضعين لحظة هدوء بعد شهر كامل من الصيام، ومناسبة يلتقي فيها الناس لتبادل التهاني وتخفيف وطأة الحرب التي أنهكت السودان خلال الأشهر الماضية. لكن تلك الليلة تحولت في دقائق إلى واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ المدينة الحديث، بعدما تعرض مستشفى الضعين التعليمي لقصف مباشر بثلاثة صواريخ أطلقتها طائرة مسيّرة، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح. وبينما لا تزال عمليات الإنقاذ مستمرة، تتكشف تدريجياً أبعاد حادثة لا تقف عند حدود الكارثة الإنسانية، بل تمتد إلى أسئلة سياسية وقانونية عميقة حول طبيعة الحرب في السودان وحدود استخدام القوة العسكرية داخل المدن.

المعلومات الأولية التي تداولتها مصادر محلية تشير إلى أن الضربة وقعت مساء الجمعة 20 مارس 2026، وهو اليوم الأول لعيد الفطر. في تلك اللحظة كان المستشفى يعمل بطاقته المعتادة لاستقبال المرضى والحالات الطارئة، خصوصاً أن العيد غالباً ما يشهد ارتفاعاً في عدد الحوادث المنزلية والمرورية. فجأة ظهرت طائرة مسيّرة في سماء المنطقة، وبعد دقائق قليلة سقط الصاروخ الأول على عنبر الأطفال داخل المستشفى. لم يكد العاملون والمرضى يستوعبون ما حدث حتى سقط الصاروخ الثاني على عنبر النساء والولادة، ثم أعقبته ضربة ثالثة استهدفت مبنى الحوادث الذي يستقبل المصابين في الحالات الطارئة.
الضربات الثلاث أصابت قلب المنشأة الطبية. عنبر الأطفال الذي يضم عادة المرضى الأكثر ضعفاً تعرض لأضرار كبيرة، فيما تضرر عنبر النساء والولادة الذي كانت توجد فيه سيدات حوامل ومريضات تحت الرعاية الطبية. أما مبنى الحوادث فقد شهد الانفجار الأعنف، ما أدى إلى انهيار أجزاء من السقف والجدران وتحول المكان في لحظات إلى كومة من الركام تختلط فيها الأجهزة الطبية المحطمة بالأسرّة والأنقاض.
النتائج البشرية للهجوم كانت صادمة. فقد أسفر القصف عن سقوط 64 قتيلاً، بينهم 13 طفلاً و7 سيدات، اثنتان منهن من الكوادر الطبية العاملة في المستشفى. كما شملت قائمة الضحايا 44 رجلاً من بينهم طبيب كان يؤدي عمله أثناء الهجوم. إضافة إلى ذلك أصيب 98 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، بعضها إصابات حرجة تطلبت عمليات جراحية عاجلة. ومع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض، يخشى السكان من ارتفاع عدد الضحايا في حال العثور على مفقودين آخرين.
لكن خلف هذه الأرقام تقف مأساة إنسانية أعمق. فالمستشفى الذي تعرض للقصف لم يكن مجرد مبنى حكومي، بل كان أحد أهم المرافق الصحية التي يعتمد عليها سكان الضعين والمناطق المحيطة بها. بالنسبة للكثير من العائلات الفقيرة، كان هذا المستشفى هو المكان الوحيد الذي يمكنهم اللجوء إليه للعلاج أو الولادة أو استقبال الحالات الطارئة. تدمير أجزاء منه يعني عملياً فقدان شريان أساسي من شرايين الحياة في المدينة.

شهادات الناجين تكشف عن لحظات من الفوضى والرعب داخل المستشفى بعد القصف. بعض المرضى حاولوا الخروج من الغرف المدمرة وهم ينزفون، فيما كان آخرون يصرخون طلباً للمساعدة من تحت الأنقاض. الأطباء والممرضون الذين نجوا من الضربة وجدوا أنفسهم فجأة أمام مهمة إنقاذ معقدة في بيئة غير آمنة، حيث كان عليهم التعامل مع عشرات الجرحى في وقت واحد، وفي ظل نقص المعدات الطبية وانقطاع الكهرباء في بعض الأقسام.
في مثل هذه اللحظات، لعب سكان المدينة دوراً حاسماً في عمليات الإنقاذ. فبعد انتشار أخبار القصف، هرع العشرات من الأهالي إلى المستشفى للمساعدة في إخراج المصابين والبحث عن ناجين تحت الركام. بعضهم استخدم أدوات بسيطة مثل المجارف، فيما اضطر آخرون إلى استخدام أيديهم لإزالة الحجارة والأنقاض. هذا التضامن الشعبي كان أحد العوامل التي ساعدت على إنقاذ عدد من المصابين خلال الساعات الأولى بعد الهجوم.
لكن الحادثة لا يمكن فهمها فقط من زاوية إنسانية. فاستهداف منشأة طبية يفتح الباب أمام نقاش سياسي وقانوني واسع حول طبيعة العمليات العسكرية في النزاع السوداني. فالمستشفيات تعتبر وفق القانون الدولي الإنساني منشآت محمية، ولا يجوز استهدافها أو تعريضها للهجوم إلا في حالات استثنائية جداً تتعلق باستخدامها لأغراض عسكرية واضحة. لذلك فإن أي ضربة تصيب منشأة طبية تثير عادة تساؤلات حول مدى التزام أطراف النزاع بالقواعد الأساسية للحرب.
السياق الأوسع للحرب في السودان يجعل هذه الحادثة جزءاً من صورة أكبر. فالصراع الذي اندلع بين القوى العسكرية المختلفة أدى إلى تدهور كبير في البنية التحتية للمدن، بما في ذلك المستشفيات والمراكز الصحية. كثير من هذه المنشآت تعرض لأضرار مباشرة أو غير مباشرة نتيجة القتال، ما جعل القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات تضرراً من الحرب.

كما أن استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية أضاف بعداً جديداً لهذا الصراع. هذه التكنولوجيا تمنح الجيوش قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة نسبياً من مسافات بعيدة، لكنها في الوقت نفسه تزيد من خطر وقوع أخطاء أو استهداف مناطق مدنية إذا لم تكن المعلومات الاستخباراتية دقيقة.
توقيت الهجوم في أول أيام عيد الفطر أضفى بعداً رمزياً مؤلماً على الحادثة. فالمدينة التي كانت تعيش أجواء الاحتفال تحولت فجأة إلى مدينة حداد. كثير من العائلات التي كانت تستعد لزيارات العيد وجدت نفسها تبحث عن أقاربها بين قوائم الضحايا أو في أقسام الطوارئ المزدحمة بالمصابين.
الأثر النفسي لهذه الحادثة قد يكون طويلاً. فحين يصبح المستشفى، الذي يمثل عادة رمزاً للأمان والعلاج، مكاناً للقصف والدمار، فإن شعور المجتمع بالأمان يتعرض لصدمة عميقة. هذا النوع من الأحداث يترك آثاراً طويلة الأمد على السكان، خصوصاً الأطفال الذين قد يحتفظون بذكريات الخوف والدمار لسنوات.
في النهاية، فإن مأساة مستشفى الضعين ليست مجرد حادثة معزولة، بل تعكس المأزق الإنساني الذي تعيشه مناطق واسعة من السودان. فالحرب التي بدأت كصراع على السلطة تحولت تدريجياً إلى أزمة إنسانية واسعة يدفع ثمنها المدنيون بشكل مباشر. وبينما تستمر عمليات البحث تحت الأنقاض، يبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه سكان المدينة: كم من الأرواح يجب أن تُفقد قبل أن يتوقف هذا النزيف ويجد السودان طريقه إلى السلام.
