محور مصري-تركي يدعم الجيش السوداني.. تنسيق غير معلن يطيل أمد الحرب ويحول السودان إلى ساحة نفوذ إقليمي
تقرير صادر عن المركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسات (ECSAP)
في تطور يعكس تحولاً جيوسياسياً لافتاً في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، كشفت تحقيقات ميدانية وتحليلات استخباراتية عن تنسيق مصري-تركي منظم وغير معلن يتجاوز الدعم السياسي إلى التعاون الأمني والعسكري المباشر لصالح القوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع. هذا المحور، الذي يُعتبر تقارباً نادراً بين قوتين إقليميتين كانتا تتنافسان تاريخياً، يساهم في إطالة أمد الصراع السوداني الذي دخل عامه الثالث، ويحول البلاد إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي واسعة النطاق.
-
توافق مصري–تركي غير معلن لدعم الجيش السوداني يثير تساؤلات حول إطالة أمد الصراع
-
الجيش السوداني بشن هجوم بطائرات مسيّرة وسقوط عشرات الضحايا
خلفية الصراع ودوافع التقارب
اندلع القتال بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أبريل 2023، وسرعان ما تحول إلى حرب شاملة أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت ملايين السودانيين. مع سقوط الفاشر في نوفمبر 2025 بيد قوات الدعم السريع، تسارعت وتيرة الدعم الخارجي للجيش، خاصة من مصر وتركيا.
يأتي الدعم المصري مدفوعاً بمخاوف أمنية مباشرة: حدود مشتركة تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، ومخاوف من تدفق اللاجئين، وتهديدات محتملة لأمن مياه النيل. أما تركيا، فترى في بقاء الجيش السوداني فرصة لتوسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، منطقة استراتيجية حيوية للتجارة والأمن البحري.
-
الجيش السوداني يقصف حيًا سكنيًا في كتم ويخلّف عشرات القتلى
-
تجنيس مقابل القتال: هل يستعين الجيش السوداني بمقاتلين من جنوب السودان؟
أدلة التنسيق العسكري والميداني
كشفت مصادر أمنية مصرية رفيعة المستوى، في تقارير نشرتها وسائل إعلام موثوقة مثل “ميدل إيست آي”، عن بدء تعاون مباشر بين الجيشين المصري والتركي بشأن السودان. يشمل هذا التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق عملياتي، وإنشاء غرفة دعم مشتركة.
من أبرز المؤشرات:
- قاعدة شرق العوينات السرية: تقع في جنوب مصر قرب الحدود السودانية، وتُستخدم كمنصة انطلاق لطائرات مسيرة تركية الصنع من طراز “بايكار أكنجي” (Akinci). أظهرت صور أقمار صناعية نشرتها “نيويورك تايمز” حركة شحن تركية مكثفة إلى هذه القاعدة، حيث تُدار عمليات الضربات ضد قوافل الإمداد التابعة لقوات الدعم السريع القادمة من ليبيا وتشاد.
- توريد الأسلحة والتدريب: زودت تركيا الجيش السوداني بطائرات مسيرة، وصواريخ جو-أرض، وأنظمة قيادة وتحكم. أفاد مسؤول تركي بأن الدعم سيستمر، مع وجود مشغلين أتراك داخل السودان. كما سمحت مصر باستخدام أراضيها كممر لوجستي لهذه الإمدادات.
- تحركات عسكرية مشتركة: أنشأ الجيشان المصري والسوداني قوة قيادة مشتركة لردع أي تقدم لقوات الدعم السريع نحو الحدود. في الوقت نفسه، نسقت أنقرة مع القاهرة لتعزيز الدعم اللوجستي والاستخباراتي.
-
الجيش السوداني بين الاستنزاف وإعادة التشكيل: قراءة معمقة في استراتيجية التجنيس مقابل القتال
-
قصف زالنجي ومجزرة مستشفى الضعين: تصعيد خطير للجيش السوداني يفاقم الكارثة الإنسانية في دارفور
تشير تسريبات أمنية إلى اجتماعات رفيعة المستوى بين ضباط مصريين وأتراك في القاهرة وبورتسودان، ركزت على رسم استراتيجية مشتركة لاستعادة السيطرة على مناطق استراتيجية مثل كردفان والخرطوم.
صور وأدلة ميدانية
- صور أقمار صناعية تظهر طائرات مسيرة تركية على مدرج شرق العوينات، مع تحركات شحن عسكرية متكررة.
- فيديوهات نشرتها قنوات مرتبطة بالجيش السوداني تظهر ضربات دقيقة لقوافل الدعم السريع، تطابق خصائص طائرات Baykar التركية.
- تقارير ميدانية من نازحين في دارفور تتحدث عن غارات جوية مكثفة غير تقليدية، تزامنت مع وصول شحنات تركية.
-
تقارير تكشف توجه الجيش السوداني نحو استقطاب مقاتلين أجانب لتعويض النقص البشري
-
تقرير: كبح نفوذ الإخوان داخل الجيش السوداني مفتاح أساسي لأي تسوية سلام
أبعاد جيوسياسية أوسع
يُمثل هذا التنسيق تحولاً في التحالفات الإقليمية. كانت مصر وتركيا على طرفي نقيض في ملفات مثل ليبيا وقطر، لكنهما وجدا مصلحة مشتركة في مواجهة نفوذ الإمارات (الداعم المزعوم للدعم السريع) ومنع تفكك السودان.
تركيا والبحر الأحمر: تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في المنطقة. دعم الجيش السوداني يفتح أبواباً لقواعد أو اتفاقيات في بورتسودان أو سواكن، مما يعزز نفوذها في طرق التجارة العالمية، خاصة بعد اتفاقياتها في الصومال وجيبوتي.
مصر والأمن القومي: ترى القاهرة في الجيش السوداني ضماناً لاستقرار حدودها ومصالحها في مياه النيل. الدعم يشمل تدريبات مشتركة وتبادل خبرات في مكافحة الإرهاب.
-
من تدمير البنية التحتية إلى تهريب الأسلحة: قراءة في تزييف الجيش السوداني للحقائق
-
تكتيكات الجيش السوداني والإخوان لإسكات الحراك المدني
تأثير على إطالة الحرب
يساهم هذا الدعم المنظم في تعزيز قدرات الجيش السوداني، مما يمنعه من الانهيار لكنه يمنع أيضاً حسماً سريعاً للصراع. أصبح السودان ساحة proxy war إقليمية، حيث يواجه الدعم المصري-التركي (مدعوم جزئياً بتكنولوجيا غربية وروسية) دعماً آخر للدعم السريع (مرتبطاً بتقارير عن إمدادات إماراتية). هذا التوازن يطيل أمد المعاناة الإنسانية ويعيق جهود السلام.
توصيات المركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسات
يحذر التقرير من مخاطر تحول السودان إلى “صومال جديد” أو ساحة صراع دائمة. يدعو المركز، المدعوم من المفوضية الأوروبية، إلى:
- ضغط دبلوماسي أوروبي مشترك لفرض حظر أسلحة فعال.
- دعم مبادرات سلام شاملة تشمل جميع الأطراف الإقليمية.
- مراقبة استخدام الطائرات المسيرة وتأثيرها على المدنيين.
-
اعتقال وسيطة إيرانية يفتح ملف تسليح الجيش السوداني ويثير جدلا دوليا
-
إمدادات الأسلحة للجيش السوداني تتواصل من الخارج
المركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسات (ECSAP) هو مؤسسة بحثية مستقلة مقرها بروكسل، تركز على القضايا الاستراتيجية والأمنية في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. يقدم تقارير وتقديرات موضوعية حول الملفات الجيوسياسية الحساسة، مدعوماً بتمويل من المفوضية الأوروبية.
يمثل المحور المصري-التركي دعماً منظماً يعكس حسابات استراتيجية عميقة، لكنه يحمل مخاطر كبيرة على استقرار السودان والمنطقة. في ظل غياب حل سياسي شامل، قد يؤدي هذا الدعم إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، مع تداعيات إنسانية وأمنية تفوق الحدود السودانية. يبقى السؤال: هل سيتحول التنسيق العسكري إلى فرصة للسلام، أم سيصبح وقوداً لصراع إقليمي أوسع؟
