مدريد تمهّد الطريق لتنزيل الحل المغربي للصحراء برعاية أميركية
في خضم التحولات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة ومراكز القرار الدولية، جاءت محادثات مدريد الاثنين لتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن مسار هذا النزاع المفتعل قد دخل مرحلة الحسم السياسي، وأن موازين الشرعية الدولية باتت تميل بوضوح لصالح الرؤية المغربية.
فوفق ما أعلنته الخارجية الأميركية، انعقدت هذه المحادثات تحت إشراف مباشر من بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وبمشاركة وفود رفيعة المستوى من الأمم المتحدة، إلى جانب المغرب والجزائر وجبهة بوليساريو وموريتانيا. غير أن أهمية هذا الاجتماع لا تكمن في شكله أو أطرافه بقدر ما تتجلى في جوهره: التنفيذ العملي لقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، باعتباره الإطار المرجعي الوحيد لأي تسوية سياسية مستقبلية.
بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة: قامت وفود رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة بتيسير محادثات في مدريد بإسبانيا جمعت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، تركّزت حول تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (2025) المتعلّق بالصحراء الغربية.
— الخارجية الأمريكية (@USAbilAraby) February 9, 2026
إن اختيار مدريد لاحتضان هذه المحادثات، تحت رعاية أميركية صريحة، يعكس انتقال الملف من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة تنزيل الحل ويؤشر على إرادة دولية متزايدة لوضع حد لحالة الجمود الطويلة، فقرار 2797 لم يعد مجرد نص أممي يُستحضر في البيانات الدبلوماسية، بل أصبح خارطة طريق سياسية وأمنية ملزمة، تُؤطر النقاش وتضبط هوامشه وتُسقط عملياً كل المقاربات التي أثبتت فشلها.
واللافت أن هذا القرار الذي اعتمد في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، شكّل منعطفاً نوعيا في التعاطي الدولي مع القضية، فبأغلبية مريحة داخل مجلس الأمن، ومع امتناع دولتين فقط عن التصويت، في مقابل عزلة سياسية جزائرية تجلت في رفضها المشاركة في عملية التصويت، كرس المجلس دعمه الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الوحيد الجدي وذي المصداقية والواقعية.
الأهم من ذلك، أن القرار 2797 تجاوز منطق “إدارة التوازنات” الذي طبع قرارات سابقة، وانتقل إلى منطق الحسم السياسي، فقد ثبت سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية من خلال اعتماد الحكم الذاتي كإطار حصري للمفاوضات، منهياً بذلك مرحلة الغموض التي استُغلت لسنوات لإحياء أطروحات متجاوزة وخارج السياق الجيوسياسي الراهن.
كما أن تمديد ولاية بعثة ‘المينورسو’ لسنة إضافية، مقروناً بالتأكيد على أولوية الحل السياسي الواقعي، يعكس تحولاً واضحاً في فلسفة التعاطي الأممي مع الملف: من مراقبة وضع ميداني جامد إلى مواكبة دينامية سياسية تقودها مبادرة مغربية ناضجة، تحظى بدعم متزايد من القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل محادثات مدريد عن السياق الاستراتيجي الأوسع الذي تتحرك فيه الولايات المتحدة. فواشنطن، من خلال إشرافها المباشر على هذه الجولة، تؤكد أنها لم تعد ترى في نزاع الصحراء مجرد ملف إقليمي، بل عنصراً محورياً في معادلة الاستقرار والأمن في شمال إفريقيا والساحل، خاصة في ظل التحديات المتنامية المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والتنافس الجيوسياسي الدولي.
وعليه، فإن ما جرى في مدريد ليس لقاءً تقنيا ولا محطة بروتوكولية عابرة، بل خطوة متقدمة في مسار دولي يتجه بثبات نحو تكريس الحل المغربي، ليس فقط كحل ممكن، بل كخيار وحيد قابل للتنفيذ. وهو ما يمنح الدبلوماسية المغربية رصيداً إضافياً، ويعزز موقع المملكة كشريك موثوق في حفظ الأمن والاستقرار الإقليميين.
بهذا المعنى، يمكن القول إن قرار مجلس الأمن 2797، ومحادثات مدريد التي تمحورت حوله، يمثلان تتويجاً لتراكم دبلوماسي مغربي طويل النفس، ويفتحان الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من الدفاع عن المشروعية إلى تثبيتها، ومن الترافع إلى التنزيل. مرحلة يُراد لها أن تُنهي نزاعاً طال أمده، وتُعيد توجيه طاقات المنطقة نحو التنمية والتكامل بدل الصراع والجمود.
