مسيّرات وأطماع: كيف تسعى مصر وتركيا للسيطرة على السودان عبر قواعد سرية
لم يكن الكشف عن قاعدة جوية سرية في شرق العوينات مجرّد سبق صحفي عابر، بل نتيجة مسار طويل من التتبع والتجميع والتحليل، قاد في النهاية إلى تفكيك واحدة من أكثر العمليات العسكرية إخفاءً في المنطقة. تحقيق صحيفة نيويورك تايمز لم يسلّط الضوء فقط على موقع أو نوع سلاح، بل كشف عن شبكة تشغيل معقّدة صُممت بعناية لتعمل بلا بصمات واضحة، وبأقل قدر ممكن من الضجيج السياسي والإعلامي، قبل أن تبدأ خيوطها في الظهور تدريجيًا.
وفق المعطيات التي عرضها التحقيق، فإن ما يميّز هذه العملية ليس حجمها الظاهر، بل درجة التمويه التي أحاطت بها. فالموقع الجغرافي المختار في شرق العوينات يقع في منطقة شبه معزولة، تُستخدم تاريخيًا لأغراض عسكرية ولوجستية محدودة، ما يجعل أي نشاط فيها قابلًا للتفسير ضمن الأطر المعتادة. هذا الغطاء الجغرافي كان عنصرًا أساسيًا في إخفاء طبيعة العمليات الجارية، خصوصًا في ظل غياب حركة مدنية أو صحفية يمكن أن تثير الشبهات.
التمويه لم يقتصر على الموقع، بل شمل أيضًا نمط التشغيل. فبحسب التحقيق، لم تُسجّل حركة طيران تقليدية لافتة، ولم تُرصد طلعات مأهولة منتظمة، ما أبقى القاعدة خارج نطاق المراقبة التقليدية التي تعتمد على تتبع الطائرات العسكرية. الطائرات المسيّرة، بطبيعتها، لا تحتاج إلى البنية التشغيلية نفسها، ولا تترك الأثر ذاته، ما يجعل رصدها أكثر تعقيدًا، خاصة عندما تُدار ضمن نطاقات مغلقة للاتصال والتحكم.

أحد أهم عناصر الإخفاء، كما يشير التحقيق، هو الفصل بين القرار والتنفيذ. فإدارة العمليات من داخل الأراضي المصرية، مع توجيه الضربات داخل السودان، خلق طبقة إضافية من الغموض. فعند رصد أي هجوم داخل السودان، ينصب التركيز عادة على الأطراف المحلية، أو على قواعد قريبة داخل الأراضي السودانية، بينما يُستبعد تلقائيًا سيناريو الإدارة العابرة للحدود، خاصة عندما لا توجد مؤشرات مباشرة.
لكن هذا التوازن الدقيق بدأ يختل مع تكرار الضربات ذات الخصائص المتشابهة. فالدقة العالية، وتوقيت العمليات، ونوع الأهداف المختارة، كلها عناصر دفعت محللين عسكريين إلى الربط بين هذه الضربات ونمط استخدام المسيّرات المتطورة. ومع استبعاد امتلاك الجيش السوداني الكامل لهذه المنظومة تشغيلًا وتحكمًا، بدأت الأسئلة تتجه نحو الدعم الخارجي، ليس فقط من حيث التسليح، بل من حيث التشغيل الفعلي.
الدور التركي، في هذا السياق، برز كعنصر تقني يصعب تجاهله. فمسيّرات “أكنجي” ليست منظومة تُشغَّل بسهولة دون خبرة متقدمة وبنية دعم مستمرة. التحقيق يشير إلى أن نقل هذا النوع من التكنولوجيا غالبًا ما يكون مصحوبًا بوجود فنيين وخبراء، أو على الأقل بنظام دعم عن بُعد يضمن استمرارية العمل. هذا ما عزز فرضية وجود شبكة تشغيل متعددة الجنسيات، تعمل ضمن ترتيبات غير معلنة.
السؤال الأهم الذي يطرحه التحقيق هو: لماذا كُشف هذا الملف الآن؟ الإجابة، وفق مصادر تحدثت للصحيفة، تكمن في تراكُم المؤشرات، لا في خطأ واحد. فصور الأقمار الصناعية التي التُقطت على فترات زمنية متباعدة أظهرت تغييرات تدريجية في البنية التحتية، لم تكن لافتة في البداية، لكنها اكتسبت دلالة عندما وُضعت في سياق زمني واحد. هذا النوع من التحليل، المعروف بالاستخبارات مفتوحة المصدر، أصبح أداة حاسمة في كشف الأنشطة السرية.
إضافة إلى ذلك، لعبت التحولات السياسية دورًا غير مباشر في خروج المعلومات إلى العلن. فمع تعقّد المشهد السوداني، وتزايد القلق الدولي من امتداد الصراع، أصبح تتبع مسارات الدعم الخارجي أولوية لدى مراكز بحث وصحف كبرى. هذا الاهتمام المتزايد خلق بيئة مواتية لربط النقاط التي كانت متناثرة سابقًا.
التحقيق يكشف أيضًا عن مفارقة لافتة: فكلما زادت محاولات الإخفاء، زادت احتمالات الكشف على المدى الطويل. فالعمليات السرية تعتمد على الاستمرارية، والاستمرارية تترك أثرًا، حتى لو كان ضئيلًا. مدرج يُطوَّر، منشأة تُوسَّع، معدات تُنقل، أنماط اتصال تتكرر، كلها عناصر يمكن رصدها وتحليلها مع الوقت.
في المقابل، التزم الأطراف المعنية بالصمت، وهو صمت لا يقل دلالة عن الكلام. فلا نفي مباشر ولا تأكيد، ما يترك التحقيق قائمًا في منطقة رمادية، لكنه مدعوم بقدر كافٍ من الأدلة الظرفية التي تجعل تجاهله صعبًا. هذا الصمت، وفق خبراء إعلاميين، قد يكون جزءًا من استراتيجية تقليل الخسائر، بانتظار أن تخف حدة الاهتمام الدولي.
ما يكشفه هذا الملف في جوهره هو أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل أيضًا في مجال المعلومات. فالقدرة على الإخفاء لم تعد مطلقة، والصحافة الاستقصائية، مدعومة بالتكنولوجيا، أصبحت لاعبًا لا يمكن تجاهله. شرق العوينات، التي صُممت لتكون خارج الرادار، تحوّلت بفعل تحقيق واحد إلى نقطة تركيز دولي.
في الخلاصة، لا تتعلق هذه القصة فقط بقاعدة سرية أو مسيّرات متطورة، بل بنموذج كامل لإدارة العمليات العسكرية بعيدًا عن الأضواء. نموذج نجح لفترة، لكنه يواجه اليوم تحديًا متزايدًا في عصر لم تعد فيه الأسرار العسكرية محصنة كما كانت. وما كُشف حتى الآن قد لا يكون سوى جزء من صورة أكبر، بدأت ملامحها في الظهور، مع كل تحقيق جديد يكسر جدار الصمت.
