حصري

مناوي يرفع سقف التحذير من داخل معسكر بورتسودان.. حشود قبلية وميليشيات جديدة تنذر بانفجار التحالف

فشل التحركات الدبلوماسية في نيويورك، والتنافس على استعراض القوة في الداخل، والتحذير من تشكيل مجموعات مسلحة جديدة: مؤشرات تطرح أسئلة صعبة حول تماسك القوى المتحالفة مع الجيش ومستقبل الصراع داخل المعسكر الواحد.


لم يعد التوتر داخل معسكر بورتسودان، وفق ما عرضته حلقة برنامج «القصة»، مجرد اختلاف في وجهات النظر بشأن مسار الحرب أو توقيت التفاوض. فقد ظهرت مؤشرات على تنافس بين القوى المتحالفة مع الجيش، من بينها الحشود التي ارتبطت باستقبال مني أركو مناوي، والانتقادات التي وجهها بشأن نتائج التحركات الدبلوماسية في نيويورك، والتحذيرات من أن تشكيل مجموعات مسلحة جديدة قد يدفع القوات المشتركة إلى مواجهة مختلفة عن الحرب القائمة.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها من طبيعة المعسكر الذي تقف داخله. فالقوى المتحالفة مع الجيش لا تتطابق بالضرورة في أهدافها أو أولوياتها، كما أن استمرار الحرب قد يخلق مصالح متباينة بشأن توزيع النفوذ، ومصير الأقاليم، وطبيعة التسوية السياسية. وحين تتراكم الخلافات من دون إطار سياسي واضح لمعالجتها، يمكن أن تنتقل من التنافس على التمثيل إلى صراع على القوة والموارد والقرار العسكري.

وتشير الحلقة إلى أن مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور وأحد أبرز قادة الحركات المسلحة، عبّر عن إحباطه من نتائج تحركات وفد بورتسودان في نيويورك، كما حذّر من أن تشكيل ميليشيات جديدة قد يقود إلى مواجهة داخلية أوسع. وبين هذين الموقفين، تبرز صورة معسكر تتداخل فيه الحاجة إلى استمرار التحالف العسكري مع مخاوف بعض مكوناته من أن تتحول التسوية المقبلة إلى اتفاق يضمن مصالح أطراف على حساب أطراف أخرى.

حشود الاستقبال.. استعراض قوة أم منافسة على النفوذ؟

بحسب ما ورد في التفريغ، تحدثت الحلقة عن استدعاء مناوي حشداً قبلياً من الزغاوة، وعن نقل نازحين من مخيمات مروي والدبة بالحافلات إلى المطار لاستقباله في مشهد وصفه البرنامج بأنه محاولة لإظهار حجم التأييد والرد على حشود أخرى مرتبطة بتشكيلات مثل «درع الشمال» وتحالف كيكل.

وتحتاج تفاصيل هذا المشهد، بما فيها أعداد المشاركين وطبيعة تنظيم الحشد والجهات التي أشرفت عليه، إلى تحقق مستقل. لكن الرواية التي قدمتها الحلقة تطرح مسألة سياسية أوسع: لماذا تصبح الحشود الجماهيرية والقبلية جزءاً من التنافس داخل معسكر يفترض أنه متحالف في مواجهة خصم عسكري مشترك؟

في السياقات التي تضعف فيها المؤسسات السياسية الجامعة، قد تلجأ القوى المتنافسة إلى استعراض الحضور الاجتماعي والقبلي لإثبات أنها تملك قاعدة لا يمكن تجاوزها. ولا يقتصر هدف هذه التحركات بالضرورة على التعبئة الشعبية؛ فقد تكون أيضاً وسيلة للضغط في مفاوضات النفوذ، أو لتأكيد أن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تتم من دون إشراك الطرف الذي يقف خلف الحشد.

لكن تحويل الانتماء القبلي إلى معيار لقياس القوة السياسية يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً في بلد أنهكته الحرب والنزوح والانقسامات. فالحشود لا تثبت وحدها حجم التأييد الشعبي، كما أن وجود مجموعات من المواطنين في استقبال شخصية سياسية لا يعني بالضرورة أنهم يوافقون على جميع مواقفها أو يمثلون كتلة سياسية متجانسة.

ومن هنا، فإن دلالة ما عرضته الحلقة لا تتوقف عند مشهد الاستقبال، بل تمتد إلى احتمال أن تكون المنافسة داخل معسكر بورتسودان قد انتقلت إلى مرحلة يتبارى فيها الحلفاء في إظهار قدرتهم على الحشد، بدلاً من بناء آلية سياسية مشتركة لتحديد الأدوار والحقوق والمسؤوليات.

مناوي وخيبة الأمل من تحركات نيويورك

في محور آخر، نقلت الحلقة عن مناوي اعترافه بالإحباط من نتائج تحركات وفد بورتسودان في نيويورك، وعدم تمكنه من تحقيق اختراق دبلوماسي أو تأمين لقاءات مؤثرة مع صناع القرار. ووفق التفريغ، برر مناوي هذه النتيجة بوجود ما وصفه بمؤامرات وأدوار سلبية تمارسها بعض الدول.

ويكشف هذا الموقف، إذا عُدّ تعبيراً عن تقييم مناوي للتحركات، عن فجوة بين التوقعات التي قد يعلقها الوفد على المشاركة الخارجية وبين النتائج التي يستطيع تحقيقها فعلياً. فالسفر إلى العواصم الدولية أو المشاركة في اجتماعات على هامش الجمعية العامة لا يضمن تلقائياً الوصول إلى صناع القرار، ولا يعني أن الرسائل التي يحملها الوفد ستلقى قبولاً لدى الأطراف التي يلتقيها أو يسعى إلى مقابلتها.

وتزداد صعوبة التحرك الدبلوماسي عندما تكون صورة السلطة السودانية في الخارج موضع خلاف، وعندما تتزامن الجهود السياسية مع تقارير وانتقادات دولية بشأن الحرب والأزمة الإنسانية. وفي مثل هذه الظروف، تحتاج الوفود إلى خطاب واضح بشأن وقف القتال، وحماية المدنيين، والوصول الإنساني، ومستقبل الحكم، بدلاً من الاكتفاء بتقديم رواية طرف واحد عن الصراع.

ومع ذلك، فإن الإحباط من نتائج زيارة أو تحرك دبلوماسي لا يثبت بمفرده وجود مؤامرة خارجية. فقد تتعلق النتائج المحدودة بتباين المواقف الدولية، أو بغياب توافق داخل الوفد نفسه، أو بعدم اقتناع الأطراف التي يسعى إلى مقابلتها بالتصورات المطروحة. ومن دون تفاصيل إضافية عن اللقاءات التي طلبها الوفد والجهات التي تواصل معها والردود التي تلقاها، لا يمكن تحديد الأسباب بدقة.

لكن اعتراف مناوي، كما نقلته الحلقة، يحمل دلالة سياسية مهمة: ففشل التحرك لا ينعكس بالضرورة على علاقة بورتسودان بالخارج فقط، بل قد يزيد التوتر بين مكونات المعسكر نفسه، خاصة إذا رأت بعض الحركات أنها لم تحصل على التمثيل أو الضمانات التي كانت تتوقعها.

الخلاف على دارفور ومخاوف التسوية المجتزأة

طرحت الحلقة كذلك رواية عن مخاوف لدى بعض الحركات المسلحة من أن يكون الجيش والحركة الإسلامية مستعدين لوقف الحرب بعد استعادة مناطق مثل الخرطوم والجزيرة، مع ترك دارفور في مواجهة منفصلة مع قوات الدعم السريع. وربطت هذه القراءة بموقف مناوي وبشعور بعض الحركات بأنها قد تجد نفسها أمام تسوية لا تلبي مطالبها الأمنية والسياسية.

وتبقى هذه الرواية تفسيراً للمخاوف التي عرضها البرنامج، ولا تثبت أن هناك اتفاقاً فعلياً يقضي بالتخلي عن دارفور أو ترك الإقليم لصراع مفتوح. إلا أنها تسلط الضوء على واحدة من أعقد مشكلات أي تسوية محتملة: هل يمكن التوصل إلى وقف شامل للحرب إذا اعتقدت بعض الأطراف أن الاتفاق سيحمي مناطق بعينها، بينما يترك مناطق أخرى عرضة للعنف؟

إن أي عملية سياسية لا تضمن معالجة النزاعات في مختلف الأقاليم قد تنتهي إلى وقف مؤقت للقتال في جبهة، مع استمرار الحرب في جبهة أخرى. كما أن الحركات المسلحة التي ترى نفسها شريكاً أساسياً في المعركة قد ترفض اتفاقاً تعتبره تقليصاً لدورها أو تجاهلاً لمطالب المجتمعات التي تقول إنها تمثلها.

وفي المقابل، فإن تعدد القوى المسلحة ومطالبها يجعل بناء تسوية شاملة أكثر تعقيداً. فالاتفاق لا يحتاج فقط إلى تفاهم بين القيادات الكبرى، بل إلى ترتيبات أمنية وسياسية تحدد مصير التشكيلات العسكرية، وتضمن حماية السكان، وتفتح المجال أمام مؤسسات مدنية قادرة على إدارة الخلافات بعيداً عن منطق السلاح.

وتكشف هذه المعضلة عن خطورة التعامل مع السودان باعتباره جبهات منفصلة يمكن تسويتها واحدة تلو الأخرى من دون رؤية وطنية مشتركة. فاستقرار الخرطوم لا يضمن وحده استقرار دارفور، كما أن إنهاء القتال في إقليم لا يعني انتهاء الأسباب التي تدفع إلى الحرب في بقية المناطق.

التحذير من «ميليشيات جديدة»

كان التحذير الذي نقلته الحلقة عن مناوي بشأن تشكيل مجموعات مسلحة جديدة من أكثر المحاور دلالة على حجم التوتر الداخلي. فقد أشار، بحسب التفريغ، إلى أن ظهور تشكيلات مثل «درع الشمال»، وما وصفه بالتمويل عبر الضرائب، قد يدفع القوات المشتركة إلى خوض حرب جديدة ومختلفة.

ولا يتوافر في المادة المرسلة تفصيل مستقل يكفي للحكم على آليات تمويل هذه التشكيلات أو على بنيتها القيادية أو على طبيعة انتشارها. لكن التحذير نفسه يطرح سؤالاً أساسياً حول انتشار السلاح خارج المؤسسات النظامية، وحول ما إذا كان تشكيل مجموعات جديدة يجري ضمن خطة أمنية موحدة أم في إطار تنافس بين القوى المتحالفة.

فكل تشكيل مسلح جديد يضيف إلى المشهد جهة قد تكون لها قيادة ومصالح وحسابات خاصة. وإذا لم تخضع هذه التشكيلات لهيكل واضح للمساءلة والقيادة، فقد تتحول من أدوات تعبئة عسكرية إلى مراكز قوة مستقلة، ويصبح من الصعب ضبط سلوكها أو دمجها في ترتيبات أمنية مستقبلية.

كما أن التمويل غير الواضح، إذا ثبت وجوده، قد يخلق نزاعات بشأن الموارد والضرائب والسيطرة على المناطق. وفي بلد يعاني مواطنوه من انهيار العملة وانعدام السيولة وتراجع الخدمات، فإن تحويل الموارد العامة إلى تمويل لتوسيع التشكيلات المسلحة سيزيد الأسئلة حول الأولويات، ومدى خضوع الإنفاق للمساءلة.

ولا يعني ذلك أن كل تشكيل مسلح جديد سيؤدي حتماً إلى حرب بين الحلفاء، لكنه يرفع مخاطر التصادم عندما تتعارض المصالح أو تختلف تقديرات القيادات بشأن وقف القتال. فالسلاح الذي يُجمع تحت عنوان مواجهة خصم مشترك قد يصبح مصدراً للصراع إذا غابت قواعد واضحة لتوزيعه واستخدامه ومصيره بعد الحرب.

تحالف يجمعه الخصم وتفرقه الحسابات

تكشف المحاور التي تناولتها الحلقة عن معادلة صعبة: يجمع القوى المتحالفة مع الجيش خصم مشترك، لكن هذا العامل لا يضمن اتفاقها على مستقبل السلطة أو توزيع النفوذ أو شكل التسوية. وقد تتعايش الخلافات خلال المعارك، ثم تظهر بصورة أكثر حدة عندما تبدأ المفاوضات أو تبرز أسئلة تتعلق بمن يملك السلاح والموارد والتمثيل السياسي.

وتبدو الحشود المتنافسة، والإحباط من التحركات الدبلوماسية، والتحذيرات من تشكيل مجموعات مسلحة جديدة، علامات على ضرورة وجود إطار سياسي يحدد العلاقة بين مكونات المعسكر، بدلاً من تركها رهينة موازين القوة الآنية. فالتوافق الذي يقوم فقط على مواجهة عدو مشترك قد ينهار عندما تتغير خريطة السيطرة أو عندما يُطرح اتفاق يفرض على أطرافه تقديم تنازلات.

والأخطر أن يدفع هذا التنافس نحو استخدام الهويات القبلية أو الموارد العامة لتثبيت النفوذ. فمثل هذا المسار لا يضعف فرص التسوية فحسب، بل قد يعيد إنتاج الانقسامات التي غذت الحرب، ويحول المنافسة السياسية إلى مواجهات مسلحة يصعب احتواؤها.

في المحصلة، لا تكمن أهمية تحذيرات مناوي في كونها إعلاناً مؤكداً عن حرب داخلية جديدة، بل في أنها تكشف عن مخاوف من أن تتسع دائرة الصراع لتشمل أطرافاً يفترض أنها تقف في خندق واحد. وبين استعراض القوة في المطارات، والبحث عن اختراق في نيويورك، والجدل حول التشكيلات المسلحة، يواجه معسكر بورتسودان سؤالاً لا يمكن تأجيله: هل يستطيع بناء تفاهم سياسي وأمني يحفظ تماسكه ويمنع انفجار خلافاته، أم أن الحرب ستتحول إلى ساحة لصراعات متعددة تتجاوز المواجهة الأصلية؟

زر الذهاب إلى الأعلى