وفاة الشاذلي خضر بين صفقات السلاح وصراعات النفوذ داخل المؤسسة العسكرية
لم تكن وفاة الشاذلي خضر عبدالقادر، مدير شركة سنكات في إسطنبول، مجرد حادث مروري عابر على طريق بورتسودان – الخرطوم، بل تحولت سريعًا إلى حدث سياسي وأمني ثقيل الظلال داخل المؤسسة العسكرية السودانية. فالرجل الذي كان يتحرك بهدوء في دوائر الاستثمار العسكري، أصبح اسمه خلال العامين الماضيين مرتبطًا بملفات شديدة الحساسية تتقاطع فيها صفقات السلاح، التمويل السياسي، والاستقطاب داخل الجيش.
الشاذلي لم يكن ضابطًا، لكنه امتلك نفوذًا يوازي نفوذ بعض القيادات العسكرية، بسبب موقعه كوسيط استراتيجي بين الجيش السوداني وشركات تسليح خارجية، خصوصًا في تركيا. شركة سنكات التي كان يديرها تحولت إلى قناة غير رسمية لتسهيل صفقات عسكرية، أبرزها ترتيبات تخص الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها، في تعاون شمل شركات تركية معروفة مثل بايكار. هذا الدور جعله جزءًا من شبكة مصالح عابرة للحدود، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع التمويل السياسي.
المعطيات المتقاطعة تشير إلى أن الشاذلي كان قريبًا من الفريق ميرغني إدريس، رئيس منظومة التصنيع الحربي السودانية، وهي المنظومة التي تمثل العمود الفقري لقدرات الجيش الإنتاجية في مجال التسليح. هذه العلاقة لم تكن شكلية، بل تجاوزت التنسيق الإداري إلى مستوى الشراكة في توجيه بعض الصفقات وترتيب آليات التمويل والتنفيذ. ووفق مصادر مطلعة، كان الشاذلي يملك قدرة على تسريع التفاهمات مع أطراف خارجية، مستفيدًا من شبكة علاقاته في إسطنبول.
لكن هذا النفوذ لم يمر دون حساسية داخلية. فملف صفقات السلاح في السودان لا يُدار فقط بمنطق الاحتياج العسكري، بل تحكمه أيضًا توازنات نفوذ دقيقة بين قيادات الجيش. وهنا برز التوتر بين الشاذلي والفريق ياسر العطا، الذي يُنظر إليه كأحد أبرز مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية. مصادر سياسية تشير إلى أن الخلافات لم تكن علنية، لكنها تركزت حول تقاسم العوائد المالية المرتبطة ببعض الصفقات، إضافة إلى مسألة من يملك القرار النهائي في تمريرها.
في سياق تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد العسكري، يصبح ملف العوائد أكثر من مجرد أرقام؛ إنه أداة نفوذ. ويبدو أن العلاقة الوثيقة بين الشاذلي وميرغني إدريس فُهمت داخل بعض الأوساط على أنها محاولة لتشكيل محور داخل المؤسسة العسكرية يملك السيطرة الفعلية على مفاصل التصنيع والشراء العسكري. هذا التصور، سواء كان دقيقًا أم مبالغًا فيه، خلق بيئة توتر حادة.
حادثة الوفاة فتحت باب التكهنات حول ما إذا كان الأمر يتعلق بصراع داخلي خرج عن السيطرة. فبعض المصادر تلمّح إلى أن الحادث جاء بعد فترة من التصعيد غير المعلن، وأن الشاذلي كان يرفض إعادة هيكلة بعض الترتيبات المالية المتعلقة بالصفقات. كما أن نشاطه الأخير في مرافقة وفد تركي إلى بورتسودان لبحث استثمارات، زاد من حساسية موقعه، خاصة في ظل رقابة دولية على مسارات التسليح السودانية.
دوليًا، كان اسم الشاذلي قد ظهر في تقارير غير رسمية داخل دوائر غربية، بسبب الاشتباه في دوره بتسهيل قنوات تمويل مرتبطة بالإخوان المسلمين، وهو ما أضفى بعدًا سياسيًا إضافيًا على نشاطه. هذا التداخل بين العسكري والسياسي والمالي جعل من موقعه معقدًا وحساسًا في آن واحد.
الحدث لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه المؤسسة العسكرية السودانية، حيث تتصارع مراكز قوى متعددة على إعادة ترتيب المشهد الداخلي في ظل تحديات سياسية وأمنية واقتصادية. ومع غياب آليات شفافة لإدارة ملفات التسليح والعوائد، تتحول هذه الملفات إلى ساحات تنافس مغلق، يصعب فيه التمييز بين المصلحة المؤسسية والمصلحة الشخصية.
رحيل الشاذلي يطرح أسئلة عميقة: من سيملأ الفراغ في شبكة العلاقات الخارجية؟ هل ستُعاد صياغة التفاهمات مع الشركات التركية؟ وهل سيؤدي ذلك إلى إعادة توزيع النفوذ داخل منظومة التصنيع الحربي؟ الأكيد أن الحادث لن يُقرأ كواقعة مرورية فقط، بل كمؤشر على احتدام الصراع حول مفاصل القوة المالية والعسكرية داخل الجيش.
