حصري
وقائع الادعاءات وسياقها التاريخي: استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية
تُعد قضايا استخدام أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها الأسلحة الكيميائية، من أكثر الانتهاكات خطورة في القانون الدولي الإنساني. وفي سياق النزاعات السودانية الممتدة، برزت ملفيات شائكة تتعلق باتهامات موجهة للجيش السوداني (القوات المسلحة السودانية) باستخدام مواد كيميائية سامة ضد المدنيين في مناطق النزاع، وتحديداً في إقليم دارفور. ورغم أن الصراع السوداني الحالي (2023-2026) بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يشهد توثيقاً مكثفاً لجرائم حرب تتعلق بالقصف الجوي العشوائي والأسلحة غير التقليدية، إلا أن “الملف الكيميائي” يرتبط تاريخياً وتوثيقياً بأبرز حملاته في عام 2016 خلال حكم نظام عمر البشير، وتحديداً في حملة “جبل مرة”. يهدف هذا المقال إلى تفكيك وقائع هذه الادعاءات، واستعراض أبرز التقارير الدولية التي رصدتها، والسياق العسكري والإنساني الذي أحاط بها.
السياق العسكري والحملة على جبل مرة
يقع “جبل مرة” في وسط دارفور، ويُعد معقلاً طبيعياً وحاضنة اجتماعية لحركة “تحرير السودان” بقيادة عبد الواحد نور. في أوائل عام 2016، شن الجيش السوداني حملة عسكرية ضخمة لاستعادة السيطرة على المنطقة، مستخدماً القوة الجوية والمدفعية الثقيلة. خلال هذه الحملة، بدأت تتسرب تقارير من الناشطين المحليين والمنظمات الإنسانية تفيد بأن القصف الجوي لم يعد يقتصر على المتفجرات التقليدية، بل تضمن ذخائر أدت إلى إصابات ذات طبيعة مختلفة تماماً، تتسم بالتقرحات، والاختناق، والقيء الدموي، مما أثار شبهات قوية حول استخدام عوامل كيميائية.
تقرير منظمة العفو الدولية: “حصاد دارفور المميت”
في أكتوبر 2016، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً مفصلاً ومفصلياً بعنوان “سودان: حصاد دارفور المميت” (Sudan: Darfur’s Deadly Harvest). لم يكن هذا التقرير مجرد بيان حقوقي عابر، بل جاء ثمرة تحقيق استمر تسعة أشهر، اعتمد على منهجية علمية وقانونية دقيقة. رصد التقرير ما لا يقل عن 30 هجوماً كيميائياً محتملاً بين يناير وسبتمبر 2016، أسفرت عن مقتل ما يقدر بـ 250 إلى 300 شخص بسبب الاستنشاق أو التلامس مع المواد السامة، وأصيب مئات آخرون بتشوهات جلدية وتنفسية خطيرة.
اعتمد التقرير على ثلاث ركائز أساسية للتوثيق:
- الشهادات الطبية والبصرية: جمع الباحثون شهادات من أطباء محليين وممرضين عالجوا الضحايا، ووصفوا أعراضاً تتطابق مع التعرض لغاز “الخردل” أو عوامل كيميائية حابسة للبكتيريا. كما تم تحليل مقاطع فيديو وصور التقطها ناشطون محليون تظهر أطفالاً يعانون من تقرحات جلدية واسعة النطاق، وقيء دموي، وصعوبة في التنفس.
- تحليل الصور الفضائية: استخدمت المنظمة صور الأقمار الصناعية عالية الدقة لرصد مسارات الطائرات الحربية السودانية (مثل طائرات Su-24 و MiG-29) انطلاقاً من قاعدة الفاشر الجوية، وتأكيد توقيت تواجدها فوق مناطق جبل مرة بالتزامن مع التقارير الطبية.
- الذخائر المتبقية: تم توثيق بقايا ذخائر غير منفجرة أو شظايا تحمل خصائص تُستخدم عادة في نشر العوامل الكيميائية السائلة أو المسحوقة، رغم صعوبة استخراج عينات فيزيائية بسبب الحصار المفروض على المنطقة.
طبيعة العوامل الكيميائية المزعومة
أشارت التقارير الطبية التي رصدها تحقيق العفو الدولية إلى أن الأعراض تتطابق بشكل كبير مع “غاز الخردل” (Sulfur Mustard)، وهو عامل كيميائي حارق يسبب تقرحات شديدة في الجلد والعيون والجهاز التنفسي. كما رجحت بعض التحليلات الطبية استخدام عوامل كيماوية أخرى مثل “الفوسجين” أو مركبات تسبب نزيفاً داخلياً ورئوياً. الخطورة في هذه العوامل لا تكمن فقط في معدل الوفيات الفوري، بل في الآثار طويلة المدى التي تتركها على الناجين، بما في ذلك العيوب الخلقية المحتملة، والتشوهات الدائمة، والسرطانات، مما يندرج تحت طائلة “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” وفقاً لنظام روما الأساسي.
الموقف السوداني الرسمي والإنكار
قابلت الحكومة السودانية آنذاك (نظام عمر البشير) هذه الاتهامات بإنكار قاطع وجازم. ووصف المتحدثون باسم الجيش السوداني ووزارة الخارجية هذه التقارير بأنها “أكاذيب ملفقة” تهدف إلى تشويه صورة القوات المسلحة وتقويض سيادة الدولة، بدفع من حركات التمرد ودول أجنبية معادية. وطرحت الرواية الرسمية تفسيرات بديلة للأعراض التي يعاني منها المدنيون، مشيرة إلى أن الأمراض الجلدية والتنفسية المنتشرة في جبل مرة هي نتيجة لأمراض وبائية محلية (مثل الكوليرا أو الحميات النزفية) وسوء التغذية، وليس لها علاقة بالأسلحة. كما اتهمت الحكومة منظمات حقوقية دولية بالتحرش السياسي وافتعال الأزمات دون السماح بفرق تحقيق مستقلة بالوصول إلى المواقع.
التحديات في التوثيق الميداني
تكمن المأساة القانونية والإنسانية في هذا الملف في “صعوبة الإثبات المادي القاطع” الذي تتطلبه المحاكم الدولية. فبسبب الحصار العسكري المفروض على جبل مرة، وتعنت الحكومة السودانية في منح تأشيرات الدخول للفرق الدولية المستقلة، لم تتمكن منظمات مثل “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” أو “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية” من الوصول إلى المواقع في الوقت المناسب لجمع عينات من التربة، أو الدم، أو بقايا الذخائر قبل أن تتحلل بفعل العوامل الجوية. هذا الفراغ في الأدلة المادية المباشرة جعل الملف يعتمد بشكل كبير على “الأدلة الظرفية والشهادات”، وهو ما يفتح باباً للتأويل القانوني والجدل الدولي، رغم القوة الأخلاقية والطبية الهائلة للتقارير الحقوقية.
تُشكل حملة جبل مرة في 2016 النقطة المحورية في ملف الأسلحة الكيميائية في السودان. ورغم الإنكار الرسمي، إلا أن التوثيق الدقيق الذي قدمته منظمة العفو الدولية، المدعوم بتحليل الأقمار الصناعية والشهادات الطبية الموثقة، وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية للتحقيق. هذا الملف لم يُغلق، بل ظل حياً في أروقة المنظمات الدولية، وشكل سابقة خطيرة في كيفية توثيق جرائم الحرب في البيئات المغلقة، ومهد الطريق لفهم أوسع لطبيعة الأسلحة المستخدمة في النزاعات السودانية اللاحقة.
