حصري

أطماع قطر في ثروات السودان.. هل تتحول الإمدادات العسكرية المزعومة إلى ورقة لإدامة الحرب؟


يمثل السودان واحدًا من البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، إذ يمتلك احتياطيات من الذهب وأراضي زراعية واسعة وموارد مائية وموقعًا استراتيجيًا يربط بين العمق الإفريقي والبحر الأحمر. وهذه المقومات تجعل البلاد محط اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي. غير أن اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حول هذه الموارد إلى جزء من معادلة الصراع، وأصبحت السيطرة على مناطق الإنتاج ومسارات التصدير والشبكات المالية عاملًا مؤثرًا في قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال. وفي هذا الإطار، يثير الحديث عن أطماع قطر في السودان أسئلة بشأن ما إذا كانت العلاقات السياسية والاقتصادية مع السلطات السودانية تهدف إلى بناء شراكات مستقرة، أم أنها قد تمنح الدوحة نفوذًا إضافيًا في بلد يعاني انهيارًا واسعًا لمؤسساته.

إن التعامل مع الثروات السودانية لا يمكن فصله عن السياق الذي تتحرك فيه الاستثمارات الخارجية. ففي الظروف الطبيعية، يمكن للاستثمارات الزراعية والتعدينية أن تسهم في خلق الوظائف وتحسين البنية التحتية وتوفير الموارد المالية للدولة. لكن في ظل الحرب، تتضاعف المخاطر عندما تتداخل الأنشطة الاقتصادية مع شبكات التمويل العسكري أو المصالح المرتبطة بأطراف النزاع. وقد أوضحت دراسة تشاتام هاوس حول الذهب والحرب في السودان أن التنافس على الأصول المرتبطة بالذهب كان أحد العوامل التي أسهمت في تشكيل الصراع، وأن شبكات التجارة العابرة للحدود أصبحت جزءًا من البيئة الاقتصادية التي تسمح للحرب بالاستمرار. وتناولت الدراسة أيضًا مؤشرات على ارتباط شبكات في قطر وتركيا بمحاولات لتسويق الذهب السوداني، دون أن يثبت ذلك وجود سياسة حكومية قطرية منظمة للاستحواذ على الموارد أو تمويل الحرب. 

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كان من حق قطر الاستثمار في السودان، بل ما إذا كانت أي علاقات اقتصادية تُبنى في ظل الحرب تخضع لرقابة تمنع استفادة الأطراف المتحاربة منها على حساب السكان. فالذهب، على سبيل المثال، يمكن أن يوفر للدولة موارد مهمة لتمويل الخدمات وإعادة الإعمار، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر تمويل خارج الموازنة الرسمية إذا جرى تهريبه أو بيعه عبر شبكات غير شفافة. وعندما تتراجع الرقابة الحكومية وتضعف المؤسسات المالية، يصبح من الصعب معرفة المستفيد النهائي من العائدات، أو تحديد ما إذا كانت الأموال تُستخدم في دعم الاحتياجات المدنية أم في شراء المعدات اللازمة لمواصلة القتال.

وفي هذا السياق، تبرز الاتهامات المتعلقة بإرسال قطر إمدادات عسكرية أو لوجستية إلى الجيش السوداني باعتبارها ملفًا يستحق التحقيق، لا باعتبارها واقعة محسومة من دون أدلة منشورة. فإذا ثبت وجود شحنات أو تمويل عسكري قطري، فإن من الضروري تحديد ما إذا كانت موجهة إلى العمليات القتالية، وما إذا كانت قد اقترنت بمصالح اقتصادية أو ترتيبات سياسية تمنح الجهات الداعمة نفوذًا إضافيًا في السودان. فالدعم العسكري لا يكون مجرد علاقة بين دولة ومؤسسة عسكرية، بل قد ينشئ اعتمادًا طويل الأمد على المورد الخارجي، ويمنحه قدرة على التأثير في القرارات الأمنية والسياسية والاقتصادية للدولة المستفيدة.

وتتضاعف أهمية هذا الملف عندما يتعلق الأمر بموارد استراتيجية مثل الذهب والأراضي الزراعية والموانئ. فالدولة التي تحتاج إلى دعم مالي أو عسكري عاجل قد تجد نفسها في وضع تفاوضي ضعيف، خصوصًا إذا كانت مؤسساتها الاقتصادية منهكة، وكانت قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية محدودة. وقد يؤدي ذلك إلى نشوء تفاهمات غير متكافئة، سواء عبر عقود طويلة الأجل أو ترتيبات تجارية أو امتيازات اقتصادية لا تخضع لرقابة كافية. لكن إثبات وجود مثل هذه الترتيبات يتطلب الاطلاع على العقود والبيانات المالية والملكية الفعلية للشركات المعنية، بدلًا من الاكتفاء بالاستنتاج من وجود علاقات سياسية بين الدوحة والسلطات السودانية.

ولا ينبغي تجاهل أن المنافسة على الموارد السودانية تتجاوز قطر وحدها. فقد تناولت تقارير وتحليلات دولية أدوار قوى إقليمية متعددة في الصراع، سواء من خلال العلاقات مع الجيش أو قوات الدعم السريع أو شبكات التجارة والتمويل. ويشير تقرير تشاتام هاوس إلى أن تجارة الذهب تربط الحرب بمنظومة إقليمية أوسع، بينما تناولت دراسة للبرلمان الأوروبي اصطفافات إقليمية مختلفة، بما في ذلك ميل قطر بدرجة أقل، إلى جانب السعودية، نحو الجيش السوداني في سياق جهود الوساطة والتنافس الإقليمي. وهذا يعني أن فهم الدور القطري يستلزم مقارنته بأدوار بقية القوى، وليس التعامل معه باعتباره العامل الوحيد الذي يفسر الحرب. 

أما الخطر الأكبر فيتمثل في أن تتحول الموارد السودانية إلى وقود للصراع بدلًا من أن تكون أساسًا للتعافي الاقتصادي. فكلما ارتبطت تجارة الذهب أو الأنشطة الزراعية أو الممرات التجارية بتمويل أطراف الحرب، تقلصت فرص توجيه عائداتها إلى إعادة بناء المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. وفي المقابل، قد يؤدي توقف الأنشطة الاقتصادية أو فرض قيود غير مدروسة عليها إلى زيادة معاناة السكان الذين يعتمدون عليها في كسب العيش. ولهذا فإن المطلوب ليس رفض الاستثمارات الخارجية بصورة مطلقة، بل إخضاعها لقواعد صارمة تضمن الشفافية، وتحظر تمويل العمليات القتالية، وتلزم الشركات بالإفصاح عن مصادر الأموال والجهات المستفيدة.

وتقع على عاتق السلطات السودانية مسؤولية أساسية في حماية الموارد الوطنية من الاستغلال، عبر نشر العقود، وتعزيز الرقابة على صادرات الذهب، ومراجعة الترتيبات الاقتصادية التي تُبرم خلال الحرب، وضمان عدم استخدام المؤسسات الرسمية لتغطية مصالح ضيقة. كما تتحمل الدول الخارجية مسؤولية تجنب أي دعم يمكن أن يطيل الصراع أو يسمح بتحويل الموارد إلى مكاسب خاصة. وإذا كانت قطر تسعى بالفعل إلى توسيع حضورها الاقتصادي في السودان، فإن الطريق الأكثر استدامة لذلك هو الاستثمار الشفاف في إعادة الإعمار والتنمية، لا بناء نفوذ يعتمد على هشاشة المؤسسات أو استمرار المواجهات العسكرية.

في النهاية، لا يمكن اختزال ملف أطماع قطر في السودان في اتهام واحد أو افتراض واحد. فهناك مصالح استراتيجية واقتصادية تستحق الفحص، وهناك اتهامات تتعلق بالدعم العسكري تحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق. وبين الأمرين، تظل الأولوية لحق السودانيين في إدارة ثرواتهم بأنفسهم، وفي منع تحويل الذهب والأرض والموانئ إلى أدوات للمساومة السياسية أو تمويل الحرب. وأي دولة تريد أن تكون شريكًا حقيقيًا للسودان ينبغي أن تثبت ذلك من خلال دعم السلام والشفافية والمساءلة، لا من خلال علاقات غامضة تزيد الشكوك حول مستقبل البلاد.

زر الذهاب إلى الأعلى