إيران

إيران بعد خامنئي.. هل يبرز الابن أم يُفرض خيار توافقي؟


أعاد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، خلط أوراق السلطة في طهران، في أخطر اختبار يواجه النظام منذ تأسيسه عام 1979.

فالرجل الذي أمسك بخيوط النظام لقرابة ثلاثة عقود ترك وراءه، بحسب صحيفة ذا صن البريطانية، منظومة معقدة من مراكز القوى الدينية والعسكرية والأمنية، صُممت لضمان الاستمرارية، لكنها لم تُختبر من قبل في لحظة فراغ مفاجئ بهذا الحجم.

وذكرت صحف مثل “فايننشال تايمز” و”نيويورك تايمز”، أن آليات الخلافة المنصوص عليها دستورياً دخلت حيز التنفيذ فور الإعلان عن الوفاة، مع تحرك سريع من داخل المؤسسة الدينية-الأمنية لتفادي أي ارتباك قد تستغله المعارضة أو الخصوم الخارجيون.

ففي الساعات الأولى، جرى الإعلان عن إدارة انتقالية تضم شخصيات بارزة في هرم الدولة، في محاولة لإظهار تماسك مؤسسات الحكم.

وتم الإعلان عن تولي علي رضا أعرافي دورًا قياديًا مؤقتًا ضمن ترتيبات انتقالية تضم الرئيس مسعود بيزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجائي، إلى حين اختيار مرشد جديد.

مجتبى خامنئي

وأكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن “عملية اختيار خليفة خامنئي قد تُحسم خلال أيام، في محاولة لطمأنة الداخل والخارج بأن مؤسسات الدولة لا تزال متماسكة”.

لكن محللين في مراكز أبحاث مثل “تشاتام هاوس” و”مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” يرون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإجراءات الشكلية، بل في التوازن بين التيار الديني التقليدي والمؤسسة العسكرية-الأمنية التي توسع نفوذها بشكل لافت خلال العقدين الماضيين.

مجتبى خامنئي: الوريث غير المعلن

يتصدر اسم مجتبى خامنئي قائمة المرشحين غير المعلنين. فالابن الثاني للمرشد الراحل ظل لسنوات شخصية غامضة، بعيدة عن الأضواء، لكنه لعب دوراً مؤثراً داخل مكتب والده، ونسج علاقات وثيقة مع قيادات في الحرس الثوري.

يرى مراقبون أن ترشيحه، إن حدث، قد يواجه اعتراضات داخل المؤسسة الدينية التي تتحفظ تاريخياً على فكرة “توريث” المنصب، لما يحمله ذلك من شبهات تحويل النظام إلى صيغة أقرب إلى الملكية الدينية.

ومع ذلك، فإن شبكة النفوذ التي بناها والده قد تمنحه أفضلية تنظيمية في سباق مغلق لا يُحسم فقط بالاعتبارات الفقهية.

في المقابل، تبرز أسماء من داخل المؤسسة الدينية التقليدية، يُنظر إليها كخيار يضمن استمرارية النموذج القائم دون إثارة حساسيات داخلية. وتذهب تحليلات منشورة في “الغارديان” البريطانية إلى أن اختيار شخصية دينية ذات خلفية فقهية قوية، لكنها أقل ارتباطاً بالصراعات الأمنية، قد يكون مخرجاً توافقياً يرضي الحرس الثوري ويطمئن التيار المحافظ في الحوزات العلمية.

إلا أن معضلة هذا الخيار تكمن في واقع سياسي تغيّر كثيراً منذ 1989؛ فالحرس الثوري اليوم ليس مجرد قوة عسكرية، بل فاعل اقتصادي وأمني عابر للمؤسسات، ما يجعل موافقته الضمنية شرطاً أساسياً لأي تسوية.

المعارضة في المنفى: فرصة تاريخية أم رهان مبكر؟

خارج إيران، تسعى شخصيات معارضة إلى استثمار اللحظة. يتقدمهم رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، الذي طرح في مقابلات مع وسائل إعلام دولية تصوراً لمرحلة انتقالية تقود إلى نظام ديمقراطي علماني.

كما أعادت مريم رجوي، زعيمة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الترويج لخطة سياسية تتضمن فصل الدين عن الدولة وحل الحرس الثوري وإجراء انتخابات حرة.

مجتبى خامنئي

غير أن تقارير بحثية صادرة عن “مجموعة الأزمات الدولية” تشير إلى أن المعارضة الخارجية، رغم نشاطها الإعلامي، تفتقر إلى بنية تنظيمية قوية داخل البلاد، ما يجعل قدرتها على التأثير الفوري محدودة ما لم تترافق التطورات السياسية مع انشقاقات داخل مؤسسات الدولة.

الشارع الإيراني.. بين الحذر والترقب

في الداخل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فقد شهدت إيران خلال الأعوام الماضية موجات احتجاج واسعة، أبرزها تلك التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022، والتي كشفت هشاشة العقد الاجتماعي بين النظام وقطاعات واسعة من الشباب.

ويرى محللون أن انتقال السلطة قد يفتح نافذة ضيقة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، لكن ذلك يعتمد على طبيعة المرشد الجديد: هل سيكون خياراً تشددياً يعزز القبضة الأمنية، أم شخصية تميل إلى احتواء الغضب الشعبي؟

زر الذهاب إلى الأعلى