إيران

استهداف القيادات مقابل الاحتياط السياسي.. اختبار صعب للنظام الإيراني


تتصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية ضد قيادات إيران في محاولة لإرباك النظام، لكن نتائج هذه الاستراتيجية تبقى غير محسومة.

هكذا ترى صحيفة “نيويورك تايمز” متسائلة تحت عنوان “إسرائيل تواصل اغتيال قادة إيرانيين بارزين. هل ستنجح؟

وبالنسبة لشبكة “سي إن إن”، فإن مقتل علي لاريجاني، قد يطيل أمد القتال، وأنه سيحرم القيادة الإيرانية من أحد أبرز أصواتها وأكثرها تأثيرا، وقد يزيد من صعوبة أي مفاوضات لإنهاء الحرب.

الضربة القاصمة

وكان مسؤولون إسرائيليون قد أشادوا بالغارات الجوية التي أسفرت عن مقتل علي لاريجاني، والذي يوصف بـ”الزعيم الفعلي” لإيران بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، في بداية الحرب الجارية. واعتبروا ذلك إنجازا استخباراتيا وعسكريا كبيرا.

إلى جانب الضربة القاتلة التي استهدفت كبار قادة أجهزة الأمن الداخلي المعروفة بقمع الاحتجاجات، شكّل مقتل لاريجاني وقادة تلك الأجهزة أشد ضربة قاصمة للقيادة الإيرانية منذ اليوم الأول للهجوم الأمريكي الإسرائيلي.

كما أبرزت هذه الضربة، بحسب الصحيفة الأمريكية، “مدى اعتماد إسرائيل على عمليات الاغتيال المستهدفة لتحقيق أهدافها الحربية، ولا سيما هدفها المتمثل في زعزعة استقرار الحكومة الإيرانية وتمهيد الطريق لانتفاضة شعبية عبر إضعاف قوات الأمن الداخلي. وفي وقت سابق من هذا العام، قتلت هذه القوات آلاف المتظاهرين العزل”.

“قطع رأس الأخطبوط”.. عقيدة عسكرية متكررة

في رسالة مصورة، أمس الثلاثاء، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للإسرائيليين  “إذا استمرينا على هذا المنوال، فسنمنحهم فرصة لتحديد مصيرهم بأنفسهم”.

من جهته، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأنه أمر الجيش بمواصلة ملاحقة القادة الإيرانيين و”قطع رأس الأخطبوط مرارا وتكرارا ومنعه من النمو”.

مع ذلك، يثير مقتل لاريجاني تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تعتمد هذه الاستراتيجية لأنها الأكثر فاعلية لتحقيق أهدافها، أم لمجرد قدرتها على تنفيذها، خاصة أن هذا النهج قد يؤدي إلى نتائج عكسية غير متوقعة. بحسب الصحيفة.

تاريخيا، تمتلك إسرائيل خبرة طويلة في عمليات الاغتيال، بدءا من حملة الانتقام بعد هجوم ميونخ عام 1972، مرورا باستهداف قيادات فلسطينية خلال الانتفاضة الثانية، وصولا إلى مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في 2024.

هل تدفع الضربات إيران إلى تقديم تنازلات؟

ويرى بعض المحللين الإسرائيليين أن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن هذا التكتيك قد يضعف إيران بما يكفي لتشير الحكومة إلى استعدادها للتنازل عن طموحاتها النووية وقدراتها الصاروخية الباليستية.

وفي هذا الصدد، أشارت سيما شاين، الضابطة السابقة في الموساد والخبيرة في شؤون إيران ووكلائها في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إلى أن مقتل نصر الله ساهم في إضعاف حزب الله إلى درجة دفعت الجماعة المسلحة المدعومة من إيران إلى الموافقة على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في أواخر عام ٢٠٢٤.

وقالت شاين للصحيفة: “قد نصل إلى مرحلة يقولون فيها: هذا كثير علينا. لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، وهم لا يصرحون بذلك، لكن هذا قد يحدث”.

إضعاف “الباسيج” واحتمالات التآكل الداخلي

وتعتقد شاين أن تصفية قادة قوات الأمن الداخلي، الباسيج، قد تسهم بشكل كبير في إقناع أعضائها ذوي الرتب الأدنى “بالاستيقاظ صباحا وعدم الذهاب إلى العمل”.

لكن محللين إسرائيليين حذروا من أن “قتل قائد إيراني بارز مثل لاريجاني قد يأتي بنتائج عكسية، وذلك بحسب من سيخلفه”.

وأضافت شاين أن لاريجاني “كان معروفا ببراغماتيته وقدرته على العمل مع المعتدلين والمتشددين على حد سواء. وقد يُعزز موته موقف المتشددين، مثل رئيس الحرس الثوري، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، وهو نفسه قائد سابق في الحرس”.

الاحتياطي الإيراني

ويرى آخرون أن القيادة الإيرانية – أو ما يُشبه “احتياطيها” في المصطلحات الرياضية – تتمتع بعمق يفوق قدرة إسرائيل على إيصال حكومتها إلى حافة الانهيار. فبعد مقتل خامنئي، عيّنت إيران ابنه، وهو متشدد مثله، خلفا له في منصب المرشد الأعلى.

ويقول أحد الخبراء إن “سياسة قطع الرأس لها حدود”، مشيرا إلى أن القضاء على القادة لا يعني انهيار النظام، كما حدث مع حماس وحزب الله اللذين استمرا في العمل رغم خسائرهما الكبيرة.

من جهة أخرى، يحذر مسؤولون سابقون من مخاطر الاعتماد المفرط على هذه الاستراتيجية، لما قد تسببه من فوضى إقليمية واسعة. ويؤكدون أن إسقاط الأنظمة لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام صراعات أكثر تعقيدا.

كما انتقدوا غياب أهداف واضحة ومحددة للحرب، معتبرين أن الحديث عن تمكين الشعب الإيراني من إسقاط النظام قد يكون مبالغا فيه أو غير واقعي، نظرا لوجود شريحة واسعة تعتمد على النظام وتخشى تداعيات سقوطه.

ويختتم أحدهم بتشبيه لافت: “في الشطرنج، يظن اللاعب السيئ أن قتل الملك يكفي للفوز، لكن في الحروب الأيديولوجية، لكل لاعب دوره الحاسم في المعركة”.

زر الذهاب إلى الأعلى