سياسة

الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران.. إسرائيل تضرب أولاً؟


كشفت مناقشات داخل البيت الأبيض أن كبار مستشاري الرئيس دونالد ترامب يفضّلون أن تبادر إسرائيل بتوجيه ضربة إلى إيران قبل أن تنخرط الولايات المتحدة عسكريًا، في حال انهيار المسار الدبلوماسي.

ونقل موقع «بوليتيكو» الأمريكي عن شخصين مطّلعين على النقاشات، أن الاعتبار الأساسي ليس عسكريًا بقدر ما هو سياسي، إذ يرى بعض المسؤولين أن «الحسابات السياسية ستكون أفضل بكثير» إذا بدأت إسرائيل أولًا، وردّت إيران على الولايات المتحدة، بما يمنح واشنطن مبررًا أوسع للتحرك.

منطق «الضربة الأولى»

ويستند هذا التقدير إلى قراءة للرأي العام الأمريكي، حيث تُظهر استطلاعات حديثة أن شريحة واسعة من الأمريكيين -خصوصًا الجمهوريين- تؤيد تغيير النظام في إيران، لكنها لا ترغب في المخاطرة بسقوط قتلى أمريكيين.

وبحسب أحد المطلعين، فإن التصور السائد داخل الإدارة ومحيطها أن هجومًا إسرائيليًا يُستدرج ردًا إيرانيًا قد يسهّل تسويق تدخل أمريكي لاحق باعتباره ردًا دفاعيًا لا حربًا استباقية.

في هذا السياق، لا تُناقش الإدارة فقط مبررات العمل العسكري المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بل أيضًا «كيفية» تنفيذ أي ضربة، وشكلها وتوقيتها وانعكاساتها السياسية.

من جنيف إلى الخيار العسكري

ورغم استمرار جهود التفاوض التي يقودها المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر في جنيف، فإن الآمال بالتوصل إلى تسوية تتراجع، بحسب المصادر.

وبينما يوصف المسار الدبلوماسي بأنه «جاد»، فإن التفكير الغالب داخل الدائرة المقربة من الرئيس يميل إلى أن المواجهة العسكرية تظل احتمالًا قائمًا بقوة.

ومع ذلك، يشير المطلعون إلى أن السيناريو الأرجح قد يكون عملية مشتركة أمريكية–إسرائيلية، بدلًا من تحرك إسرائيلي منفرد.

وفي سياق تعقد المفاوضات، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن رفض إيران بحث برنامجها للصواريخ الباليستية يمثل «مشكلة كبيرة جدا»، وذلك عشية جولة محادثات جديدة بين واشنطن وطهران في جنيف.

وأوضح روبيو أن المحادثات ستركز إلى حد كبير على البرنامج النووي الإيراني، لكنه شدد على أن «قضايا أخرى» ستُطرح أيضا، في إشارة مباشرة إلى ملف الصواريخ الباليستية، مؤكدا أن إيران «ترفض التحدث» بشأنه.

وقال إن الرئيس دونالد ترامب يفضّل الحلول الدبلوماسية «بشدة»، معربا عن أمله في أن تكون المناقشات «مثمرة»، لكنه أشار ضمنيا إلى أن التوصل إلى اتفاق شامل يتطلب معالجة ملفات تتجاوز الجانب النووي.

نطاق الضربة

ووفق «بوليتيكو» فإن نطاق العملية يبقى بين خيارات متعددة أمام ترامب، تندرج من ضربة أولية محدودة تُستخدم كورقة ضغط لإجبار طهران على اتفاق، أو حملة أوسع تشمل مواقع نووية وبنية تحتية للصواريخ الباليستية، وتصل إلى ما يُعرف بـ«ضربة قطع الرأس»، أي استهداف المرشد الإيراني علي خامنئي.

لكن المسؤولين يدركون أن النظام الإيراني ليس قائمًا على شخص واحد، وأن استهداف القيادة العليا، بما فيها قيادات الحرس الثوري، قد يقود إلى رد واسع وغير متوقع.

مخاطر الاستنزاف

ومن أبرز الهواجس داخل الإدارة خطر استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية، خاصة في ظل حشد عسكري هو الأكبر في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003، مع نشر مجموعتي حاملة طائرات وعشرات الطائرات القتالية وطائرات الاستطلاع والتزود بالوقود.

وتخشى الإدارة أن يؤدي انخراط طويل في مواجهة مع إيران إلى إضعاف الجاهزية الأمريكية في مسارح أخرى، خصوصًا في ظل التوتر مع الصين حول تايوان.

كما حذّر مسؤول استخباراتي رفيع من احتمال لجوء إيران إلى ردود غير متماثلة ضد منشآت وأفراد أمريكيين في الشرق الأوسط وأوروبا، ما يزيد خطر سقوط ضحايا أمريكيين ويحوّل أي عملية إلى عبء سياسي داخلي ثقيل.

الكونغرس والملف النووي

وفي الكونغرس، قال رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب مايك روغرز إنه تلقى إحاطة حول محاولات إيران استئناف برنامجها النووي، معتبرًا أن الأدلة «واضحة».

لكن في المقابل، لم يتلقَّ بعض الديمقراطيين إحاطات مماثلة، ما يعكس انقسامًا سياسيًا داخليًا حول إدارة الملف الإيراني.

بين الادعاء والشك

وكان ترامب قد أعلن سابقًا أن الضربات الأمريكية في يونيو/حزيران الماضي «أبادت» البرنامج النووي الإيراني، لكنه ألمح مؤخرًا إلى أنه غير مقتنع بأن طهران تخلّت عن مساعيها.

في المقابل، تؤكد إيران أن برنامجها مخصص لأغراض سلمية، بينما تظل واشنطن متشككة، خاصة في ظل مستويات تخصيب اليورانيوم المرتفعة.

ووفق الصحيفة فإن هذه النقاشات تكشف أن قرار الحرب -إن اتُّخذ- لن يكون مجرد قرار عسكري، بل عملية موازنة دقيقة بين الكلفة السياسية والمخاطر الاستراتيجية.

زر الذهاب إلى الأعلى