الاقتصاد الأمريكي في مواجهة الحرب على طهران.. مخاطر وتحديات
تدخل الحرب على إيران منعطفا يضع الاقتصاد الأميركي أمام اختبار جديد، في لحظة كان فيها يلتقط أنفاسه بعد عام حافل بملفات التجارة والهجرة والتضخم، بينما فتح قرار الرئيس دونالد ترامب شن هجمات بلا سقف زمني أو قيود محددة، بهدف معلن هو الإطاحة بالنظام الإيراني، بابا واسعا لعدم اليقين، لتجد الأسواق نفسها فجأة أمام مشهد تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية مع حسابات النمو والأسعار.
وجاءت الاستجابة الأولى من أسواق الطاقة، فقد قفزت أسعار النفط من نحو 70 دولارا للبرميل إلى ما يقرب من 80 دولارا قبل أن تتراجع قليلا، وسط تباطؤ الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتدفقات الخام. وصحيح أن الولايات المتحدة أصبحت أقل تأثرا بصدمات الطاقة مقارنة بعقود سابقة بفضل طفرة إنتاج النفط والغاز الصخريين، لكن تأثير ارتفاع الأسعار لا يتوقف عند حدود محطات الوقود، فتكلفة الطاقة تتسلل إلى سلاسل التوريد، وأسعار الشحن، وهوامش الشركات، وثقة المستهلكين.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة كونفرانس بورد أن نحو 60 بالمئة من الرؤساء التنفيذيين يرون في التوترات الجيوسياسية خطرا عاليا على الاستقرار، رغم تحسن نظرتهم العامة للاقتصاد الأميركي، بينما وصف البنك الدولي التوقعات بأنها إيجابية، لكن هذا التقييم أصبح الآن تحت ضغط صراع غير متوقع في منطقة مركزية لإنتاج النفط والتجارة العالمية، فكل ناقلة تتردد في العبور، وكل شركة تؤجل استثمارا، تضيف طبقة جديدة من الضباب إلى المشهد الاقتصادي.
وأشار اقتصاديون في مؤسسات كبرى مثل جيه.بي مورغان إلى أن بداية عام 2026 حملت مؤشرات على تراجع حالة الحذر لدى الشركات، مع عودة تدريجية للتوظيف والإنفاق الرأسمالي، غير أن الحرب، إلى جانب التوترات التجارية المستمرة، قد تعيد إحياء المخاوف بشأن الاستقرار العالمي، وتدفع الشركات إلى التريث مجددا. ويبدو الانتعاش الناشئ الآن كزهرة في مهب رياح ساخنة.
والسؤال الأكثر حساسية يتعلق بموقف مجلس الاحتياطي الاتحادي في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، مال البنك المركزي الأميركي أولا إلى التريث، قبل أن يعاود رفع الفائدة بقوة مع تصاعد التضخم. وتبدو الصورة أكثر تعقيدا، فالعقود الآجلة لا تزال تشير إلى احتمال خفض الفائدة مرتين هذا العام، لكن تحركات عوائد السندات تعكس قلقا متزايدا من ضغوط تضخمية محتملة. وارتفع الدولار باعتباره ملاذا آمنا، فيما أظهرت الأسهم الأميركية أداء متباينا، في إشارة إلى حيرة المستثمرين بين سيناريو احتواء سريع وتصعيد ممتد.
ويرى بعض المحللين أن التأثير قد يظل محدودا إذا تحول الصراع إلى أزمة داخلية في إيران أو انتهى بسرعة. وفي هذا السيناريو، قد تتلاشى قفزة النفط ويظل النمو الأميركي مستقرا نسبيا، لكن السيناريو المقابل أكثر قتامة: توسع إقليمي، تعطّل طرق التجارة العالمية، ارتفاع النفط فوق 120 دولارا، قفزة في تكاليف التأمين والشحن، واضطراب في شبكات الإنتاج العالمية وعندها قد يتحول النمو إلى انكماش وترتفع البطالة ويجد الاحتياطي الاتحادي نفسه مضطرا لخفض الفائدة سريعا لتجنب ركود.
ولا تقتصر المخاطر على المواجهة التقليدية، ثمة حديث عن حملة “غير متكافئة” قد تشمل هجمات إلكترونية أو استهداف منشآت طاقة في دول أخرى أو تحريك قوى بالوكالة في المنطقة، بما يوسع دائرة التأثير خارج نقاط الاختناق المعروفة مثل مضيق هرمز. وفي عالم مترابط، قد يمتد الأثر إلى منشآت غاز طبيعي في أفريقيا أو إلى ممرات شحن بعيدة عن الخليج.
ولا يواجه الاقتصاد الأميركي صدمة طاقة فحسب، بل اختبارا لقدرته على امتصاص موجة جديدة من عدم اليقين الجيوسياسي. وبين تفاؤل حذر في البيانات المحلية وقلق متصاعد في الأفق العالمي، يبقى المسار النهائي رهنا بتطورات ميدانية قد تعيد رسم خريطة المخاطر الاقتصادية في غضون أسابيع قليلة.
