الخليج يبحث عن بدائل سريعة لتأمين الغذاء والتجارة
مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة واتساع رقعة الحرب على إيران، برزت تداعيات مباشرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ أدى التهديد الإيراني باستهداف السفن وإغلاق مضيق هرمز إلى دفع دول مجلس التعاون الخليجي نحو البحث عن بدائل عاجلة لضمان استمرار تدفق التجارة والسلع الغذائية إلى أسواقها.
وتحت وطأة هذه التطورات، شرعت دول الخليج في تفعيل مسارات نقل بديلة واتخاذ إجراءات احترازية لضمان استقرار الأسواق وتجنب أي اضطرابات في سلاسل الإمداد، في ظل اعتماد المنطقة بشكل كبير على الواردات الغذائية القادمة من الخارج.
وفي الثاني من مارس/آذار الجاري، هددت إيران باستهداف أي سفينة تحاول عبور مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية استراتيجية في العالم، وذلك في إطار ردها على الهجمات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة عليها منذ 28 فبراير/شباط الماضي.
كما أعلنت طهران تنفيذ هجمات على ما قالت إنها قواعد ومصالح أميركية في عدد من دول الخليج والعراق والأردن، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى سقوط قتلى وجرحى وأضرار في منشآت مدنية وبنى تحتية للطاقة.
ويمثل مضيق هرمز شريانا حيويا للتجارة العالمية، ولا سيما لدول مجلس التعاون الخليجي التي تضم السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من واردات المنطقة الغذائية إضافة إلى صادرات الطاقة.
وتعتمد دول الخليج بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية، حيث تستورد نحو 85 بالمئة من غذائها نتيجة محدودية الأراضي الزراعية وشح الموارد المائية، وفقا لتقديرات سابقة للمنتدى الاقتصادي العالمي. وترتبط هذه الواردات بشبكة واسعة من سلاسل الإمداد العالمية التي تمتد من أميركا الشمالية والجنوبية والاتحاد الأوروبي وأستراليا إلى منطقة البحر الأسود.
وبحسب بيانات شركة تتبع السلع (كبلر)، استوردت دول الخليج نحو 30 مليون طن من الحبوب خلال عام 2025، مر معظمها عبر مضيق هرمز قبل وصولها إلى الموانئ الرئيسية في المنطقة. ولا تقتصر هذه الشحنات على الحبوب فقط، بل تشمل أيضا سلعاً غذائية أساسية مثل الأرز والقمح والشعير والذرة وفول الصويا، وهي منتجات تشكل ركائز أساسية للأمن الغذائي في أسواق الخليج.
وأمام هذه التحديات، اتجهت دول مجلس التعاون إلى تفعيل مسارات نقل بديلة لتقليل الاعتماد على المضيق، ففي سلطنة عمان أعلنت وزارة النقل جاهزية قطاع النقل البري لنقل البضائع عبر الموانئ العمانية إلى بقية دول الخليج، مع توفير إجراءات تسهل حركة الشحن وتعزز كفاءة سلاسل التوريد.
وفي الإمارات، أكدت السلطات استمرار عمليات نقل البضائع عبر شبكة السكك الحديدية التابعة لشركة ‘قطارات الاتحاد’، التي كثفت رحلات الشحن لضمان انسيابية حركة التجارة داخل الدولة وربط الموانئ بالمراكز اللوجستية. وخلال تسعة أيام فقط، سيرت الشركة أكثر من مئة رحلة قطار شحن نقلت ما يزيد على 459 ألف طن من البضائع وأكثر من 7900 حاوية.
أما قطر، فقد دعت غرفة قطر شركات الشحن والنقل إلى التسجيل في نظام النقل البري الدولي “TIR”، وهو نظام عبور جمركي يسمح بمرور البضائع بسرعة بين الدول داخل حاويات مختومة جمركيا وتحت رقابة مستمرة، بما يسهم في تسريع حركة التجارة وتقليل التعقيدات اللوجستية في أوقات الأزمات.
وفي السعودية، يمكن للمملكة الاعتماد على موانئها المطلة على البحر الأحمر لاستقبال جزء من الواردات الغذائية، قبل نقلها برا إلى داخل البلاد أو إلى أسواق خليجية أخرى، وهو خيار يوفر منفذا بديلا نسبيا في حال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز. كما تظل إمكانية النقل الجوي لبعض السلع سريعة التلف، مثل الخضار والفواكه، خيارا مطروحا لضمان استمرار توفرها في الأسواق.
وبالتوازي مع هذه التحركات اللوجستية، اتخذت الحكومات الخليجية سلسلة إجراءات لضبط الأسواق وطمأنة المستهلكين بشأن توفر السلع الغذائية، ففي الإمارات، أعلنت وزارة الاقتصاد ربط منظومة الرقابة بمنصة رقمية تضم 627 منفذ بيع لرصد أسعار السلع الأساسية بشكل لحظي، كما دعت المستهلكين إلى تجنب شراء كميات تفوق الحاجة لمنع حدوث تكدس في الأسواق. وأكدت الوزارة أن البلاد تمتلك مخزونا استراتيجيا من السلع الأساسية يكفي ما بين أربعة وستة أشهر.
وفي قطر، أكدت وزارة التجارة والصناعة أن المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية يكفي لأكثر من ستة أشهر، ضمن خطط وضعتها الدولة لمواجهة أي اضطرابات محتملة في الإمدادات. كما أعلنت البحرين أن مخزونها من السلع الغذائية الأساسية كاف وآمن، مشيرة إلى استقرار الأسعار وتوافر السلع في الأسواق المحلية.
أما الكويت فاتخذت إجراءات أكثر صرامة، إذ قررت وزارة التجارة حظر تصدير السلع الغذائية كافة وتثبيت أسعارها لمدة شهر، في خطوة تهدف إلى حماية المستهلكين وضمان استقرار السوق المحلية.
وتعكس هذه الإجراءات إدراكا خليجيا متزايدا لحساسية الأمن الغذائي في ظل الأزمات الجيوسياسية، خاصة عندما تتأثر الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز. وبينما تستمر التوترات العسكرية في المنطقة، تبدو دول الخليج عازمة على تنويع مسارات الإمداد وتعزيز جاهزية منظوماتها اللوجستية والغذائية لتقليل آثار أي اضطرابات محتملة في التجارة العالمية.
وقالت متحدثة البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الجيش الأميركي يعد خيارات إضافية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا، وذلك بتوجيهات من الرئيس دونالد ترامب، مضيفة في مؤتمر صحفي، الثلاثاء، أن واشنطن تريد التأكد من أن إيران لا تشكل تهديدا للولايات المتحدة بأي شكل من الأشكال.
وتابعت “ستنتهي العمليات عندما يقرر الرئيس أن الأهداف العسكرية تحققت بالكامل، وأن إيران وصلت إلى مرحلة الاستسلام غير المشروط، سواء أعلنت ذلك أم لم تعلنه”، مشيرة إلى أنهم متقدمون كثيرا على الجدول الزمني الذي أعلن سابقا ويتراوح بين 4 و6 أسابيع.
كما أوضحت ليفيت أن الرئيس ترامب يتابع عن كثب ارتفاع أسعار النفط وما يترتب عليه من زيادة أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة، معربة عن اعتقادها بأن أسعار النفط والبنزين ستنخفض بسرعة بعد انتهاء العملية العسكرية المتعلقة بإيران، مؤكدة إدراك الإدارة الأميركية لأهمية بقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام حركة الملاحة.
وقالت “حتى الآن لم ترافق البحرية الأميركية أي ناقلة نفط أو سفينة في المضيق، لكن هذا خيار مطروح، وقد قال الرئيس إنه سيستخدم هذا الخيار بالتأكيد إذا لزم الأمر.” وذكرت أن ترامب وفريق الطاقة يراقبون الأسواق عن كثب، والجيش الأميركي يعمل على إعداد خيارات إضافية لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا.
وحذرت ليفيت إيران من أن أي خطوة قد تتخذها لوقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز ستؤدي إلى استهدافها بشكل أشد من قبل الجيش الأميركي.
