أمريكا

الرباط وواشنطن تعززان تعاونهما الدفاعي بخطوات جديدة


في لحظة فارقة تعكس نضج الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، شهد مقر وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” الأربعاء توقيع خارطة طريق جديدة للتعاون الدفاعي. ولا يمثل هذا الاتفاق مجرد بروتوكول عسكري تقني، بل إعلانا عن مرحلة جديدة ترسخ مكانة المملكة كـ”قوة مرجعية” وضامن رئيسي للأمن القومي في إفريقيا والحوض الأطلسي.

وتمثل هذه الاتفاقية، التي وقعها الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني عبداللطيف لوديي والفريق أول محمد بريظ، ووكيل وزارة الدفاع الأميركية إلبريدج كولبي، إطاراً مرجعياً للعشرية المقبلة.

وتتجاوز أهدافها التدريبات التقليدية لتشمل توطين الصناعات الدفاعية من خلال تشجيع نقل التكنولوجيا وتعزيز قدرات المغرب التصنيعية عسكرياً، مما يعطي دفعة قوية لمساعي المملكة للتحول إلى قطب صناعي دفاعي إقليمي.

كما تهدف إلى دمج التقنيات الحديثة في المنظومة الدفاعية المشتركة لمواجهة التهديدات الهجينة ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وتعزيز التنسيق الاستخباري والميداني لتأمين منطقة الساحل والصحراء.

وتأتي هذه الخطوة لتعزز المسار الذي انطلق بقوة خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، ويستمر بزخم أكبر في ولايته الحالية، في وقت ترى واشنطن في الرباط حليفاً استثنائياً في منطقة شديدة الحساسية.

وأعطى الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على صحرائه خلال الولاية الأولى لترامب في نهاية العام 2020 دفعة قوية للتعاون بين البلدين، وسعت واشنطن إلى ترجمة دعمها لمقترح الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة لحل النزاع المفتعل، باستثمارات دفاعية وتنموية تشمل كافة أقاليم المملكة.

وفي ظل إستراتيجية “أميركا أولاً”، تبحث إدارة ترامب عن شركاء أقوياء يتحملون مسؤولية الأمن الإقليمي. ويمثل المغرب، بقدراته العسكرية المشهود لها، النموذج الأمثل لهذا الشريك.

وفي منطقة تموج بالاضطرابات، يبرز المغرب كدولة تتمتع باستقرار مؤسساتي ورؤية ديبلوماسية واضحة أرسى دعائمها العاهل المغربي الملك محمد السادس، مما يجعله “جزيرة استقرار” في بحر من التحولات.

ويحمل توقيع الاتفاقية الجديدة رسائل قوية للخصوم والحلفاء على حد سواء مفادها أن إدراج التعاون الدفاعي في إطار سيادي كامل يعزز الموقف المغربي دولياً، ويؤكد أن الشراكة مع واشنطن لا رجعة فيها.

وتدرك الولايات المتحدة أهمية التفوق النوعي، حيث يضمن المغرب من خلال هذه الخريطة الولوج إلى أحدث المنظومات الدفاعية الأميركية، مما يحافظ على توازن القوى ويعزز قدراته الردعية.

وتعكس الاتفاقية الاقتناع الأميركي بأن أمن المملكة لا غنى عنه لحماية المصالح الأميركية، خصوصاً في ظل المنافسة الدولية المحمومة على الموارد والنفوذ في القارة الإفريقية.

وتشير التوقعات إلى أن الاتفاق سيفتح الباب لتوسيع مناورات “الأسد الإفريقي” لتصبح أكثر شمولية، بمشاركة دولية أوسع وتحت قيادة مغربية – أميركية مشتركة، فضلا عن أهمية الربط بين الأمن والتجارة، حيث يتبع التعاون العسكري تدفقات استثمارية أميركية ضخمة في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية.

وباختصار يمكن القول  إن ما جرى في البنتاغون هو اعتراف صريح بأن المغرب ليس مجرد زبون للسلاح الأميركي، بل هو حليف استراتيجي يصيغ مع واشنطن ملامح الأمن الإقليمي في القرن الحادي والعشرين. وتؤكد هذه الشراكة، المتجذرة في التاريخ والمنطلقة نحو المستقبل، أن الرهان على المملكة هو رهان على الاستقرار والنمو.

زر الذهاب إلى الأعلى