السودان وقوائم الاستبعاد الأوروبية: كواليس القرار وآثاره المحتملة
في السودان، لم يكن إعلان قوائم الاستبعاد الأوروبية بعد الهدنة مجرد إجراء روتيني، بل حدث تاريخي يعكس تحولا في آليات إدارة المشهد السياسي. التحرك الأوروبي، بالتنسيق المباشر مع الاتحاد الأفريقي، جاء بعد دراسة معمقة لكل الجهات السياسية، واستند إلى معلومات من هيئات حقوقية وتقارير استخباراتية دولية، بهدف فصل الأطراف القادرة على الانخراط في عملية سياسية مستقرة عن تلك التي قد تعيد إنتاج الصراع أو تعرقل المسار.
التحليل الاستقصائي للملف يكشف أن القرار لم يُتخذ بصورة عشوائية، بل بعد جمع بيانات دقيقة عن سلوك الجهات السياسية والاجتماعية في السنوات الأخيرة. حيث تم تقييم كل جهة وفق سجلها في النزاعات السابقة، وخطابها السياسي، وارتباطاتها التنظيمية، وعلاقاتها مع مراكز القوة العسكرية، إضافة إلى مدى التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. وتظهر النتائج أن الأطراف المرتبطة بتنظيم الإخوان وكيانات مدنية متحالفة مع القوة العسكرية التقليدية تم إدراجها في قوائم الاستبعاد، فيما تم السماح لأطراف مدنية أخرى بالانخراط في العملية السياسية.
التحدي الأكبر يكمن في التفاعل المحلي مع هذه القوائم. فعلى الرغم من أنها وضعت وفق معايير دقيقة، إلا أن بعض الأطراف المستبعدة قد تعتبرها استبعادًا سياسيًا موجهًا، وقد تلجأ إلى استخدام وسائل ضغط بديلة سواء إعلاميًا أو اجتماعيًا، وهو ما قد يضيف طبقات جديدة من التعقيد للمشهد السياسي السوداني.
على المستوى الآخر، يمثل فتح الحركة الإسلامية باب العضوية عبر الإنترنت خطوة موازيّة ذات دلالات واضحة. فبينما يُعيد المجتمع الدولي تحديد قواعد اللعبة السياسية، تعمل الحركة على تعزيز حضورها الاجتماعي والتنظيمي، وهو ما قد يمنحها قدرة غير مباشرة على التأثير في مسار التفاوض، أو تقديم روايات مضادة حول شرعية العملية السياسية.
كذلك، تكشف التحليلات أن التنسيق مع الاتحاد الأفريقي أضاف عنصرًا من التوازن الإقليمي للقرار الأوروبي، ما قلل من احتمالات توجيه اتهامات بالتدخل الخارجي. فالجانب الأفريقي عمل على مراجعة كل المعطيات والتأكد من أن القوائم لن تؤدي إلى استقطاب أكبر، وضمان أن يتم مراعاة الظروف المحلية في صياغة القرار النهائي.
السيناريوهات المستقبلية في السودان تتراوح بين مسارين رئيسيين: الأول، أن تساهم القوائم في خلق بيئة تفاوضية منظمة تتيح انطلاق عملية سياسية تدريجية تؤسس لاستقرار طويل الأمد. الثاني، أن تؤدي القوائم إلى زيادة الاستقطاب إذا شعرت الأطراف المستبعدة بأنها مستهدفة سياسيًا، ما قد يؤدي إلى تحديات جديدة أمام العملية.
في النهاية، تُظهر قوائم الاستبعاد الأوروبية أن ما يحدث في السودان لا يقتصر على الهدنة الإنسانية، بل هو جزء من إعادة هندسة شاملة للمرحلة السياسية القادمة. القرار يكشف حجم التدخل الدولي في صياغة قواعد اللعبة السياسية، وفي الوقت نفسه يضع على عاتق الأطراف المحلية مسؤولية التكيف مع هذه المعايير الجديدة، سواء بالالتزام بها أو بإعادة صياغة نفوذها الاجتماعي والسياسي بما يتوافق مع حدود المشاركة الرسمية الجديدة.
