الشرق الأوسط

الشطري يلتقي الشرع في دمشق.. ترتيبات أمنية تتقدم الملفات


أجرى رئيس جهاز المخابرات العراقي، حميد الشطري، زيارة رسمية إلى العاصمة السورية دمشق، التقى خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع، في مؤشر واضح على تحول تدريجي في موقف بغداد تجاه دمشق. وجاءت الزيارة مدفوعة باهتمام عراقي متزايد بالملف الأمني السوري، خاصة ما يتعلق بضبط الحدود ومكافحة تنظيم داعش، في وقت ترى فيه بغداد أن الاستقرار النسبي الذي حققه الشرع يعزز فرص التعاون بين البلدين.

وتأتي هذه الزيارة في إطار مساعٍ متنامية من قبل بغداد لتعزيز التعاون الثنائي مع دمشق، في ظل تحولات إقليمية تشهد تقاربًا تدريجيًا مع سوريا، ومحاولات مستمرة من الرئيس الشرع لفك العزلة الدولية التي فرضت على بلاده لسنوات حيث حمل المسؤول العراقي رسالة من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الى الشرع.
وبحسب مصادر مطلعة، فقد بحث الشطري والشرع قضايا تتعلق بأمن الحدود المشتركة، ومكافحة الإرهاب، وملف الجالية العراقية المقيمة في سوريا. وتم التأكيد على ضرورة تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات، في خطوة تهدف إلى الحد من تسلل العناصر المتطرفة عبر الحدود وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

الملف الأمني كان حاضرًا بقوة خلال المحادثات، لا سيما في ظل استمرار القلق العراقي من التطورات السياسية والأمنية داخل الأراضي السورية، وما قد يترتب عليها من تداعيات تمتد عبر الحدود. وتأتي هذه الزيارة في وقت تزداد فيه المخاوف من إعادة تشكل خلايا لتنظيم داعش في بعض المناطق السورية، الأمر الذي تعتبره بغداد تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
ويُنظر إلى زيارة الشطري – وهي الثالثة له منذ تسلّم الشرع السلطة – على أنها مؤشر على تحوّل تدريجي في موقف العراق تجاه النظام السوري الجديد، إذ أن السلطات العراقية، التي كانت متحفظة في تعاملها مع حكومة الشرع في بداياتها، باتت الآن أكثر انفتاحًا. ويعزى هذا التحوّل، وفق مراقبين، إلى قدرة الشرع على فرض قدر من الاستقرار النسبي في الداخل السوري، وهو ما دفع بغداد إلى مراجعة حساباتها، خصوصًا في ظل الحاجة إلى شريك أمني فاعل في الجهة الغربية من حدودها.

وكانت أولى زياراته إلى دمشق قد جرت في ديسمبر/كانون الاول 2024، عقب أيام من تولي الشرع الحكم، وقد أثارت حينها اهتمامًا إعلاميًا واسعًا، خصوصًا بعد ظهور الشطري في لقاء رسمي. وفي أبريل/نيسان 2025، زار رئيس المخابرات العراقي دمشق مجددًا، حاملاً دعوة رسمية من بغداد للشرع لحضور القمة العربية، إلا أن الرئيس السوري لم يلبِّ الدعوة، رغم لقائه برئيس الوزراء العراقي بشكل غير معلن في الدوحة.
وتأتي زيارة الشطري أيضًا في وقت يواصل فيه الشرع جهوده لانتشال سوريا من عزلتها الإقليمية والدولية، التي فرضت عليها بسبب سنوات الحرب والنزاع. وقد تمكن الرئيس السوري خلال الشهور الماضية من تحقيق اختراقات سياسية ملموسة، تمثلت في استعادة علاقات دبلوماسية مع عدد من الدول العربية، فضلًا عن تحركات أوروبية متزايدة تجاه الانفتاح الحذر على دمشق مع خطوات لإبرام اتفاقيات اقتصادية واعدة، وسط حديث عن تخفيف تدريجي للعقوبات، خصوصًا من الجانب الأميركي.

ويبدو أن العراق، الذي حافظ على قنوات تواصل محدودة مع دمشق طيلة السنوات الماضية، يجد اليوم في هذه اللحظة فرصة لإعادة صياغة علاقته مع الجار الغربي، بما يخدم مصالحه الأمنية والاقتصادية، ويمنحه دورًا محوريًا في جهود إعادة دمج سوريا في المحيط العربي.
ورغم الطابع الأمني للزيارة، لم يُستبعد أن يكون الملف الاقتصادي جزءًا من النقاشات بين الجانبين، خصوصًا وأن الرئيس السوري يولي أهمية متزايدة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة، بما في ذلك مشاريع الربط الطاقي والتبادل التجاري.

وترى مصادر قريبة من المحادثات أن التعاون الاقتصادي قد يشمل إعادة تفعيل خطوط التجارة عبر الحدود، والتنسيق بشأن مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى آليات تسهيل عودة رجال الأعمال والمستثمرين العراقيين للعمل في سوريا.
ونقل الشطري، الذي التقى أيضًا القائم بالأعمال العراقي في دمشق خلال زيارته، رسالة من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى الرئيس الشرع، تؤكد على رغبة بلاده في تطوير العلاقات الثنائية وتجاوز التحديات المشتركة، بما يحقق مصالح الشعبين ويعزز الاستقرار الإقليمي.
وتعكس زيارة الشطري الثالثة إلى دمشق تصاعدًا في مستوى التنسيق بين بغداد ودمشق، ومؤشرًا على انفتاح عراقي محسوب تجاه سوريا في عهد الشرع، في وقت تتسارع فيه ديناميكيات الإقليم نحو المزيد من التقارب بعد سنوات من الانقسام والتوترات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى