الطيران الأوروبي يقترب من مرحلة ضغط تشغيلي حاد
دخلت أزمة الطيران العالمية مرحلة “العد التنازلي” الحرجة، مع إطلاق وكالات طاقة دولية تحذيرات مدوية من نضوب وشيك لمخزونات وقود الطائرات في القارة الأوروبية. وبينما كانت الأزمة في بدايتها تتعلق بارتفاع التكاليف، انتقلت اليوم لتصبح أزمة “وجود مادي” للمادة الحيوية التي تبقي الأساطيل الجوية في السماء، وسط نذر ببدء موجة إلغاء رحلات واسعة النطاق خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
وفي تصريحات وصفتها الدوائر الاقتصادية بـ”القاتمة”، كشف المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، أن أوروبا لا تملك سوى ستة أسابيع فقط من مخزون وقود الطائرات قبل أن يبدأ النقص الفعلي في ضرب العمليات التشغيلية.
وأكد بيرول في مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس” أن العالم سيسمع قريبا أنباء عن إلغاء رحلات جوية بين مدن كبرى نتيجة غياب الوقود، واصفا الوضع بـ”المأزق الحرج” (Dire Strait) الذي سيهز أركان الاقتصاد العالمي.
وبنبرة تحذيرية، قال بيرول: “في الماضي كانت هناك فرقة موسيقية تدعى ‘Dire Straits’ (المآزق الصعبة)، والآن نحن نعيش في مأزق صعب (Dire Strait) سيكون له تداعيات كبرى على الاقتصاد العالمي. وكلما طال أمد الأزمة، ساء الوضع بالنسبة للنمو الاقتصادي والتضخم في جميع أنحاء العالم”.
الآن نحن نعيش في مأزق صعب
وأضاف أن التأثير سيشمل “ارتفاع أسعار البنزين والغاز والكهرباء”، مشيرا إلى أن بعض مناطق العالم ستتضرر أكثر من غيرها.
هذه التحذيرات تتقاطع مع رسالة وجهها “المجلس الدولي للمطارات في أوروبا” (ACI Europe) إلى المفوضية الأوروبية، يشير فيها إلى أن التكتل قد يكون على بعد ثلاثة أسابيع فقط من تسجيل نقص حاد في بعض المطارات الإقليمية، مما يضع صناعة النقل الجوي أمام اختبار غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية.
تأتي هذه الأزمة كنتيجة مباشرة للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي اندلعت شرارتها في فبراير الماضي. ومع إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره خمس استهلاك النفط العالمي، انقطعت سلاسل الإمداد التقليدية المتجهة نحو المصافي الأوروبية.
ورغم وجود محادثات بوساطة باكستانية، إلا أن فشل المفاوضات الأخيرة في التوصل لتهدئة دائمة أبقى أسعار خام “برنت” مرتفعة بنسبة تجاوزت 30% عما كانت عليه قبل الحرب، مما شكل ضغطا هائلا على كاهل شركات الطيران التي بدأت تستهلك آخر شحنات الوقود التي وصلت قبل اندلاع النزاع.
بين الحذر المالي والطمأنة التشغيلية
وبدأت ملامح الأزمة تظهر جليا في قرارات شركات الطيران الكبرى، اذ اعلنت مجموعة “إير فرانس-كي إل إم” الهولندية إلغاء 160 رحلة خلال الشهر المقبل.
ورغم أن الشركة عزت الخطوة إلى “عدم الجدوى الاقتصادية” بسبب ارتفاع تكلفة الكيروسين وليس نقص المادة ذاتها، إلا أن مراقبين يرون فيها إجراء احترازيا للحفاظ على المخزونات الحالية للرحلات الطويلة الأكثر ربحية.
في المقابل، حاولت شركة “إيزي جيت” البريطانية طمأنة الأسواق، مؤكدة على لسان رئيسها التنفيذي كينتون جارفيس أن لديها رؤية واضحة للإمدادات حتى منتصف مايو، رغم اعتراف الشركة بتأثر الأرباح نتيجة تراجع الحجوزات وارتفاع أسعار الوقود.
والأزمة ليست محصورة في أروقة المطارات؛ فارتفاع أسعار وقود الطائرات يتزامن مع ارتفاع عام في أسعار البنزين والكهرباء، مما يضع ضغوطا سياسية هائلة على الزعماء الدوليين، وبشكل خاص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع تصاعد الغضب الشعبي من تكاليف الطاقة.
ويرى محللون أن صناعة الطيران، التي تعتمد تاريخيا على “التحوط” (Hedging) لحماية نفسها من تقلبات الأسعار، تجد نفسها اليوم مكشوفة؛ فحتى الشركات التي أمنت 87% من احتياجاتها بأسعار سابقة (مثل إير فرانس)، تضطر الآن لتقليص رحلاتها لأن التكاليف التشغيلية المتبقية أصبحت تفوق العوائد المتوقعة من المسافرين.
موسم عطلات تحت التهديد
مع اقتراب موسم عطلات مايو والصيف، يواجه المسافرون في أوروبا واقعا جديدا يتسم بعدم اليقين مع احتمالية إلغاء الرحلات في اللحظات الأخيرة مع إعطاء الأولوية للرحلات ذات الكثافة العالية.
واستخدام القطارات والوسائل البديلة للرحلات القصيرة (مثل مسارات لندن-دوسلدورف) قد يكون احد الحلول لتوفير الكيروسين للوجهات العابرة للقارات.
ويتوقع خبراء زيادة مطردة في أسعار التذاكر كـ”رسوم طوارئ حرب” لتغطية تكاليف الوقود المشتراة من أسواق بديلة بعيدة بأسعار مضاعفة.
يبقى قطاع الطيران العالمي رهينة لـ”دبلوماسية المضائق”؛ فإما انفراجة سياسية تعيد تدفق النفط عبر هرمز، أو الدخول في صيف “ساكن” فوق الأجواء الأوروبية، حيث تركن الطائرات على المدرجات لا لقلة المسافرين، بل لفرط جفاف الخزانات.
