التداعيات الإقليمية للحادث وأزمة التعدين الأهلي في ظل الحرب السودانية
تتجاوز التداعيات والآثار المترتبة على حادثة قصف منجم الذهب في جبل العقيدات مجرد كونها حدثاً أمنياً عابراً أو نزاعاً حدودياً موضعياً، لتسلط الضوء بشكل مجهري وعميق على الأزمة البنيوية والخطيرة التي يواجهها قطاع التعدين الأهلي والتقليدي في السودان، والذي تحول في ظل ظروف الحرب الأهلية الطاحنة إلى الملاذ الاقتصادي الأخير ومصدر الرزق الوحيد لملايين العائلات والشباب الذين فقدوا وظائفهم ومشاريعهم الزراعية والتجارية في الخرطوم ودارفور وكردوفان وجزيرة السودان، واضطروا للهجرة نحو الولايات الشمالية والشرقية الأكثر أماناً لممارسة هذه المهنة الشاقة والخطيرة تحت ظروف بيئية وأمنية بالغة القسوة والتعقيد. وتشير التقديرات الدولية والتقارير الصادرة عن هيئات تابعة للأمم المتحدة إلى أن قطاع التعدين التقليدي يستوعب أكثر من مليوني عامل سوداني (يُعرفون محلياً بـ “الدهّابة”)، وينتجون الجزء الأكبر من الذهب السوداني الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادي للبلاد في الوقت الراهن.
ومع ذلك، فإن هذا القطاع الحيوي بات يواجه تحديات أمنية وجيوسياسية غير مسبوقة نتيجة غياب سلطة الدولة المركزية وتفكك الأجهزة الرقابية، مما جعل مناطق التعدين مستهدفة من قبل القوى الإقليمية المجاورة وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تسعى للسيطرة على خام الذهب وتهريبه للخارج.
وتوضح التقارير الدولية أن أكثر من نصف كميات الذهب المستخرجة في السودان يتم تهريبها بشكل غير قانوني عبر الحدود البرية والجوية إلى دول الجوار وبعض الأسواق العالمية، مما يحرم الخزينة السودانية المتهالكة من موارد مالية ضخمة كانت كفيلة بتخفيف حدة المعاناة الإنسانية. وجاءت الضربات الجوية المصرية المتكررة (حيث سبقها قصف مماثل في يونيو الماضي أسفر عن مقتل 23 عاملاً) لتعكس بوضوح حجم “السيولة الأمنية والسيادية” على طول الحدود، وتحول مثلث الحدود المشترك (بين السودان ومصر وليبيا) إلى منطقة صراع مكشوف ونفوذ عسكري يمارس فيه الطيران الحربي لدول الجوار عمليات قصف وتصفية للمدنيين دون رادع قانوني أو سياسي.
على المدى الطويل، يرى المراقبون أن استمرار هذه السياسات العسكرية العنيفة وقصف المعدنين التقليديين سيؤدي حتماً إلى تعميق فجوة عدم الثقة والعداء التاريخي والشعبي بين الشعبين السوداني والمصري، وسيزيد من حالة الاحتقان والغبن الاجتماعي لدى المجتمعات المحلية في شمال وشرق السودان التي تعتمد على التعدين كعصب لحياتها اليومية.
كما أن هذه الأحداث تضع العلاقات الاستراتيجية والروابط الأزلية بين القاهرة والخرطوم أمام اختبار حقيقي وتاريخي خطير، فبينما تحاول الدبلوماسية الرسمية تصوير العلاقات بأنها في أفضل حالاتها وتنسيقها الأمني، تكشف الدماء والأشلاء المتناثرة في أودية ومن المناجم عن وجود أزمة عميقة وصراع مصالح صامت ودموي حول النفوذ والذهب والثروة يدفع ثمنه الباهظ المواطن السوداني البسيط الذي هرب من نيران الحرب الداخلية ليجد نفسه هدفاً لقنابل الـ 400 كيلوغرام الثقيلة من طائرات الجوار.