سياسة

الغضب الملحمي في الأرقام.. استهلاك هائل للقهوة ومشروبات الطاقة


في واحدة من أكثر الحملات العسكرية تعقيداً وكثافة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، لم تكشف عملية “الغضب الملحمي” عن حجم القوة النارية الأمريكية فحسب، بل أزاحت الستار أيضاً عن البعد الإنساني العميق داخل منظومة الحرب الحديثة.

فبينما انشغلت الأنظار بتتبع الصواريخ والغارات التي استهدفت العمق الإيراني، كانت هناك معركة موازية تدور بصمت داخل غرف العمليات وقمرة القيادة: معركة التحمل البشري في مواجهة الإرهاق والضغط المستمر، حيث أصبح الجندي نفسه جزءاً من معادلة القتال، لا مجرد منفذ لها، في بيئة قتال تعتمد على السرعة والدقة واتخاذ القرار في أجزاء من الثانية.

وفقاً لما أورده الجنرال دان كين في إحاطته الشاملة، امتدت يد القوات الأمريكية لتطال أكثر من ثلاثة عشر ألف هدف محدد داخل العمق الجغرافي الإيراني، وفقا لموقع “بيزنس إنسايدر”.

وتكمن المفارقة العملياتية الأبرز في أن أكثر من أربعة آلاف من هذه الأهداف كانت متحركة وطارئة على مسرح العمليات، مما يعكس مستوى غير مسبوق من التحدي الاستخباراتي واللوجستي لتعقب أهداف تتلاشى وتظهر فجأة في بيئة قتالية مضطربة.

جنود أمريكيون

وتوزعت بنوك الأهداف على النحو التالي: تحييد قرابة 80 % من مظلة الدفاع الجوي الإيراني، وتدمير ما يزيد عن 1500 موقع استراتيجي محصن.

وفي المياه الإقليمية، تضررت أو غرقت أكثر من مائة وخمس وخمسين قطعة بحرية، إلى جانب اجتثاث ما يقرب من 95% من حقول الألغام البحرية، أي ما يزيد على 700 لغم.

ضرب العمق الاستراتيجي: تفكيك منهجي للقدرة

لم تقتصر الحملة على جبهات التماس أو الأهداف التكتيكية السطحية، بل تغلغلت في صميم البنية الصناعية والعسكرية لتقويض قدرة إيران على إدامة القتال. طالت الضربات نحو 450 منشأة محصنة لتخزين الصواريخ الباليستية و 800 موقع لتشغيل وإيواء طائرات الهجوم أحادية الاتجاه.

جنود أمريكيون

والأخطر من ذلك، تم تدمير ما يقدر بـ90 % من مجمعات التصنيع الحربي، بما في ذلك التدمير الشامل للمنشآت المسؤولة عن إنتاج مسيرات “شاهد” التي شكلت لعقد من الزمن أداة الردع غير المتماثل لطهران.

وقد أدى هذا الاستهداف المنهجي لمراكز القيادة والسيطرة إلى إحداث شلل واسع في قدرة إيران على التنسيق والرد الاستراتيجي، مما أجبرها على الانكفاء نحو تكتيكات عشوائية أقل تأثيراً.

الجانب الإنساني: الجندي حلقة الوصل الحرجة

بعيداً عن ضجيج المحركات وصليل الصواريخ، تنطوي ملحمة “الغضب الملحمي” على وجه آخر أكثر حميمية وتعقيداً: الجانب الإنساني. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظمة الآلية تدير المعركة، كان الجندي هو من يغذي هذه الأنظمة بطاقته الذهنية والبدنية.

كشفت البيانات اللوجستية أن 50 ألف جندي شاركوا في أتون العملية استهلكوا أكثر من 6 ملايين وجبة، وما يربو على 950 ألف غالون من القهوة، بالإضافة إلى مليوني عبوة من مشروبات الطاقة وكميات هائلة من النيكوتين.

هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل هامشية، بل هي شهادة صارخة على أن اليقظة الذهنية والتركيز المطلق باتا وقوداً لا غنى عنه في غرفة العمليات، حيث لا يواجه المقاتل العدو فحسب، بل يواجه أيضاً التعب المزمن وقلة النوم وثقل القرار المصيري في أجزاء من الثانية.

رحلات ماراثونية: حدود التحمل القصوى

ويتجسد هذا الضغط البشري بأوضح صوره في الملاحم الجوية التي سطرتها القاذفات الاستراتيجية. فقد نفذت القوات الجوية 62 طلعة قصف، كان أشدها إثارة للإعجاب 18 مهمة انطلقت مباشرة من قواعدها الأم في عمق الأراضي الأمريكية لتضرب أهدافاً في إيران ثم تعود أدراجها دون توقف.

جنود أمريكيون

استغرقت كل رحلة من هذه الرحلات العابرة للقارات ما يزيد عن 30ساعة متواصلة في الجو، معتمدةً على شبكة معقدة من طائرات التزود بالوقود التي حولت الفضاء الجوي إلى محطات وقود طائرة.

مثل هذه المهام تشكل اختباراً قاسياً لفسيولوجيا الطيار وقدرته على الحفاظ على الأداء الذهني العالي في ظروف من العزلة والضغط الجسدي الهائل، مؤكدة أن الآلة المتطورة لا تزال رهينة بقدرة الإنسان على ترويضها.

الكلفة الاقتصادية: حرب بمليارات الدولارات

وإذا كانت الأرواح ثمناً لا يُقدّر، فإن للعملية ثمناً مادياً فلكياً. قُدرت تكلفة الأيام الستة الأولى من التصعيد بنحو 11.3 مليار دولار، ثم تضخم الرقم ليتجاوز 16.5 مليار دولار مع نهاية الأسبوع الثاني.

ومع تراجع وتيرة العمليات، لا تزال التوقعات تشير إلى أن الفاتورة النهائية للحملة قد تتجاوز حاجز الـ50 مليار دولار، مدفوعة بالاستهلاك القياسي للذخائر المتطورة، وعلى رأسها صواريخ “توماهوك” التي أطلقت منها المنظومة الأمريكية أكثر من 850 صاروخاً في رقم قياسي يعكس حدة النيران المستخدمة.

ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يسود المنطقة هدوء حذر تخترقه تقارير متقطعة عن خروقات محدودة. وقد أكدت القيادة الأمريكية عزمها الإبقاء على وجودها العسكري الضخم في المنطقة لضمان التزام طهران ببنود التهدئة، تمهيداً لعملية تفاوضية شاقة.

زر الذهاب إلى الأعلى