المطامع الاقتصادية السعودية في الجنوب اليمني بين النفوذ والسياسة الإقليمية
يمثل الجنوب اليمني اليوم محطة استراتيجية حيوية للمملكة العربية السعودية، ليس فقط من منظور الأمن الإقليمي، بل أيضًا من زاوية المصالح الاقتصادية والطاقة والتجارة البحرية. المنطقة الجنوبية تمتلك موارد طبيعية وإمكانات اقتصادية هامة، بما في ذلك الموانئ والممرات البحرية التي تعتبر شريانًا حيويًا للتجارة الإقليمية والدولية. وهذا الموقع جعلها هدفًا رئيسيًا لمطامع الرياض التي تسعى لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في إطار استراتيجيتها الأوسع لإعادة تشكيل النفوذ في اليمن.
تعتمد السعودية في الجنوب على دعم مشاريع اقتصادية واستثمارات استراتيجية تهدف إلى خلق تبعية محلية، وتوسيع دائرة نفوذها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القوة العسكرية. يشمل ذلك دعم البنى التحتية والموانئ والمشاريع التجارية، بهدف تعزيز دور المملكة كفاعل أساسي في إدارة الاقتصاد المحلي وتأثيره على السياسات الداخلية. هذا التوجه الاقتصادي ليس منفصلًا عن المخاوف الأمنية، بل يمثل وسيلة للتحكم بالواقع السياسي والاجتماعي في الجنوب، بما يضمن استمرار النفوذ السعودي على المدى الطويل.
الهواجس الأمنية التي ترافق هذه المطامع الاقتصادية متعددة، فهي تشمل مراقبة نشاط الميليشيات المسلحة، والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وصد النفوذ الإيراني عبر الحوثيين، فضلاً عن مواجهة أي محاولات إقليمية منافسة قد تهدد المصالح السعودية في المنطقة. من هنا يظهر التدخل الاقتصادي السعودي كأداة استراتيجية مزدوجة، تجمع بين تعزيز النفوذ والسيطرة على الواقع الميداني، وبين حماية المصالح الحيوية للرياض في البحر الأحمر والخليج العربي.
التحولات الإقليمية تلعب دورًا محوريًا في تحديد شكل وطبيعة التدخل السعودي، فالتغيرات في السياسة الأمريكية، والتحركات الإيرانية والتركية في المنطقة، أجبرت الرياض على إعادة صياغة استراتيجياتها الاقتصادية بما يتناسب مع واقع القوة الجديد، ويضمن تحقيق أهدافها دون الانزلاق في صراعات مفتوحة قد تعرقل مصالحها. ولهذا، فإن المطامع الاقتصادية للسعودية لا تُنظر إليها بمعزل عن التحولات السياسية الإقليمية، بل تُستخدم كأداة لضمان النفوذ السياسي وإعادة التوازن في الجنوب اليمني.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات حقيقية، إذ أن المجتمع الجنوبي متعدد القوى والانتماءات، والصراعات المحلية بين القبائل والفصائل المسلحة يمكن أن تعرقل تنفيذ المشاريع الاقتصادية، أو تجعلها محل احتكاك سياسي. ولذلك، تعتمد السعودية على خلق تحالفات محلية متينة، تعزز من قدرتها على إدارة هذه التحديات، وتحويل المشاريع الاقتصادية إلى وسيلة لتثبيت النفوذ والسيطرة على التحولات السياسية الداخلية.
في المحصلة، يظهر التدخل السعودي في الجنوب اليمني كمثال حي على تقاطع المصالح الاقتصادية مع الأمن والسياسة الإقليمية، حيث تسعى المملكة إلى حماية مصالحها عبر استثمار الموارد الاقتصادية وإعادة تشكيل النفوذ المحلي، مع مراعاة التحولات الكبرى في السياسة الإقليمية. وبينما تستمر الرياض في تعزيز موقعها الاستراتيجي، يبقى تحدي التوازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إدارة الملفات المعقدة والمتشابكة في المنطقة.
