أمريكا

الولايات المتحدة تشترط تفكيك الميليشيات الإيرانية لتعزيز التعاون مع العراق


في تصعيد لافت يعكس تحوّلًا في نبرة الخطاب الأميركي تجاه المشهد السياسي والأمني في العراق، أكد القائم بالأعمال في بعثة الولايات المتحدة الأميركية في بغداد، جوشوا هاريس، أن واشنطن تتجه نحو اتخاذ “إجراءات فورية” لتفكيك ما وصفه بـ”الميليشيات الإرهابية الموالية لإيران”، محذرًا من أن إشراك هذه القوى في الحكومة العراقية الجديدة يتعارض بشكل مباشر مع أسس الشراكة العراقية – الأميركية.

وجاءت هذه التصريحات خلال لقاء جمع هاريس بزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، في إطار مشاورات قالت السفارة الأميركية إنها تناولت المصالح المشتركة بين البلدين، وفي مقدمتها حماية السيادة العراقية، وهزيمة الإرهاب، وتعزيز الأمن الإقليمي، إلى جانب توطيد العلاقات الاقتصادية بما يخدم مصالح الطرفين. غير أن التركيز الأميركي الواضح على ملف “الميليشيات” منح اللقاء بعدًا سياسيًا يتجاوز المجاملات الدبلوماسية المعتادة.

وتعكس لهجة هاريس المتشددة قراءة أميركية جديدة للواقع العراقي، تقوم على الربط المباشر بين استقرار الدولة العراقية وبين تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، فالولايات المتحدة، بحسب البيان، ترى أن هذه التشكيلات لا تشكل فقط تهديدًا أمنيًا، بل تمثل أيضًا عامل تقويض لسيادة العراق واستقلال قراره السياسي، فضلًا عن تأثيرها السلبي على الاقتصاد والاستثمار وبيئة الأعمال.

وأعاد هاريس التأكيد على أن “إشراك الميليشيات الإرهابية الموالية لإيران في الحكومة العراقية، بأي صفة كانت، يتعارض مع شراكة أميركية – عراقية متينة”، وهو تصريح يحمل دلالات سياسية ثقيلة، إذ يضع شروطًا واضحة لاستمرار الدعم الأميركي لبغداد، سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي. كما يوحي بأن واشنطن لم تعد مستعدة للتعايش مع الصيغة الهجينة التي تجمع بين الدولة والفصائل المسلحة داخل مؤسسات الحكم.

وتأتي هذه المواقف في وقت حساس يمر به العراق، مع مساعٍ لتشكيل حكومة جديدة في ظل توازنات داخلية معقدة، وضغوط إقليمية متزايدة، فالنفوذ الإيراني في العراق، الذي تعزز بعد عام 2003، لا يزال حاضرًا بقوة عبر شبكات سياسية وعسكرية متشعبة، ما يجعل أي محاولة لتفكيك الميليشيات مسألة شديدة التعقيد، وقد تفتح الباب أمام توترات داخلية أو صدامات غير محسوبة.

في المقابل، تحاول واشنطن تقديم خطابها بوصفه دفاعا عن السيادة العراقية لا انتقاصًا منها، عبر التأكيد على أن الميليشيات الخاضعة لأجندة خارجية تقوض الدولة بدل أن تحميها، غير أن هذا الطرح يضع الحكومة العراقية المقبلة أمام معادلة صعبة: إما الاستجابة للضغوط الأميركية والمخاطرة بصدام مع قوى نافذة في الداخل، أو الاستمرار في سياسة الموازنة بين واشنطن وطهران، مع ما يحمله ذلك من كلفة سياسية واقتصادية.

وبين هذين الخيارين، يبدو العراق مرة أخرى ساحة اختبار للصراع الأميركي – الإيراني، حيث تُستخدم مفردات السيادة ومحاربة الإرهاب لتبرير استراتيجيات متنافسة. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة بغداد على فرض قرار وطني مستقل، بعيدًا عن إملاءات الخارج، في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد الاستقطاب وتراجع هامش المناورة أمام الدول الهشة.

زر الذهاب إلى الأعلى