انقسام المؤسسات يهدد المسار الانتخابي في ليبيا
مرحلة جديدة من التصعيد بشأن ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا بعد قرار «المجلس الأعلى للدولة» انتخاب رئيس جديد لها، في خطوة فجّرت خلافا مباشرا مع مجلس النواب، وأثارت قلق بعثة الأمم المتحدة.
وانتخب المجلس الأعلى للدولة، الثلاثاء، صلاح الكميشي رئيسًا للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات خلال جلسة عقدها في العاصمة طرابلس.
وقوبل القرار برفض واضح من رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، الذي أكد أن مفوضية الانتخابات نجحت في إجراء انتخابات المجالس البلدية، ولا توجد حاجة لتغيير رئيسها الحالي عماد السايح، إلا إذا استدعت الخبرة العملية ذلك.
وشدد صالح على ضرورة استكمال عمل المفوضية دون تعطيل، وبما يتماشى مع توصيات البعثة الأممية، مشيرًا إلى أن المجلس الأعلى للدولة تجاهل أكثر من 13 ملفًا للمناصب السيادية سبق أن أرسلها البرلمان، محذرًا من أن تأخير إجراء الانتخابات يشكل تهديدًا مباشرًا لوحدة ليبيا.
-
ليبيا بين التسويات المؤقتة واستحقاق الانتخابات
-
ليبيا: البرلمان يقر ميزانية مفوضية الانتخابات وسط ضغوط لإطلاق الانتخابات
تحذير أممي
في موازاة ذلك، عبّرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها البالغ من ارتفاع وتيرة التصعيد بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية.
وأكدت أن هذا التصعيد يأتي في ظل عجز مستمر عن التوصل إلى اتفاق منذ إطلاق خارطة الطريق السياسية، محذرة من أن الإجراءات الأحادية قد تفتح فصلًا جديدًا من الانقسام المؤسسي.
وأعادت البعثة التذكير بأن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ظلت واحدة من المؤسسات القليلة التي حافظت على وحدتها، وأثبتت قدرتها الفنية وكفاءتها في إجراء الانتخابات، داعية إلى التزام الحياد ووقف جميع الخطوات الأحادية، ومؤكدة استمرارها في العمل مع مجلس المفوضين الحالي للمضي قدمًا في الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
-
تضارب جديد في أحكام القضاء يعمق أزمة رئاسة مجلس الدولة في ليبيا
-
سابقة تاريخية في ليبيا: أول امرأة تتولى عمادة بلدية
تهديد لآخر المؤسسات الموحدة
وبينما تتبادل المؤسسات السياسية المواقف، حذّر خبراء ومحللون من أن المسار الحالي يهدد آخر مؤسسة وطنية موحدة، وينذر بإعادة إنتاج أزمات سابقة عمّقت الانقسام وأطالت أمد الأزمة.
ويرى المحلل السياسي الليبي سالم محمد أن التطورات الأخيرة المتعلقة بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تثير بالغ الاهتمام والقلق، لا سيما في ظل ما وصفه بالقرارات الأحادية والبيانات الأممية التي تعكس عمق الانقسام المؤسسي، وتهدد إحدى الركائز القليلة المتبقية لوحدة الدولة الفنية والسيادية.
وأكد المحلل السياسي الليبي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ملك لكل الليبيين، وقد نجحت، على مدى سنوات من الصراع، في الحفاظ على حيادها وكفاءتها، محذرا من أن إقحام المفوضية في التجاذبات السياسية بين مجلسي النواب والدولة يعرض نزاهة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة للخطر، ويقوض ثقة الناخب في العملية السياسية برمتها.
-
شرق ليبيا يرفع سقف المطالب.. الحكومة تهدد بالحكم الذاتي
-
اتفاق بوزنيقة: هل يكون بداية لإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا؟ خبراء يوضحون
واعتبر أن قيام المجلس الأعلى للدولة بانتخاب رئيس للمفوضية بشكل أحادي يعد إجراء معدوم الأثر القانوني، مشددًا على أن تعيين المناصب السيادية يتطلب آلية توافقية واضحة مع مجلس النواب.
وأضاف أن ما جرى يمثل محاولة لفرض أمر واقع بقوة التصويت الداخلي، لا بالتوافق الوطني، محمّلًا مجلس الدولة المسؤولية التاريخية والقانونية عن تشظي المؤسسة الوحيدة التي حافظت على وحدتها طوال العقد الماضي.
وأوضح أن خلق رئاسة موازية للمفوضية يشكل طعنة في خاصرة النزاهة الانتخابية، ويفتح الباب مجددًا أمام صراع مؤسسي من شأنه تعقيد المشهد السياسي وإرباك المسار الانتخابي، محذرا من استمرار هذا النهج التصعيدي، مطالبًا المجلس الأعلى للدولة بالتراجع الفوري عن قراراته الأحادية والعودة إلى مسار التشاور القانوني الصحيح.
-
تحقيقات قضائية تطال عشرات المرشحين للانتخابات البلدية في ليبيا
-
ليبيا: المشري يقطع الجدل حول جلسة انتخاب رئيس “الأعلى للدولة”
رفض الخطوات الأحادية
ويرى الخبير القانوني والمحلل السياسي عبدالله الديباني أن بيان بعثة الأمم المتحدة يعكس موقفًا حذرًا يميل بوضوح إلى رفض شرعنة أي خطوات أحادية في ملف إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، موضحا أن تحميل المجلسين مسؤولية التصعيد يعني أن البعثة لا تعترف بشرعية أي مسار منفرد، ولا تعتبر إجراءات مجلس الدولة خطوة تأسيسية مقبولة ضمن خارطة الطريق السياسية.
وأشار الديباني، في حديث، إلى أن تشديد البعثة على أن أزمة المفوضية مستمرة منذ أكثر من عقد تذكير سياسي واضح بأن الحل لا يكمن في فرض الأمر الواقع، بل في التفاهم المشترك، لافتًا إلى أن تأكيدها على كفاءة المفوضية الحالية يحمل رسالة ضمنية مفادها أن المشكلة ليست في الأداء، بل في محاولات إعادة هندستها سياسيًا.
وأضاف الديباني أن إعلان البعثة استمرارها في العمل مع مجلس المفوضية الحالي يمثل رفضًا عمليًا لأي نتائج قد تترتب على إجراءات أحادية لإعادة التشكيل، مؤكدًا أن البيان الأممي لا يمنح غطاءً سياسيًا أو شرعية دولية لقرارات المجلس الأعلى للدولة، بل يضعها في سياق تصعيد يهدد المسار الانتخابي.
-
خلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى في ليبيا حول الموازنة
-
التحرك الأوروبي لكسر الجمود السياسي في ليبيا يثير الجدل
البعثة والمسارات الموازية
وفي المقابل، يرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد أمطيريد أن البعثة الأممية كانت، ولا تزال، سببًا مباشرًا في نبش آخر ورقة مؤسساتية موحدة في ليبيا، تلك الورقة التي علّق عليها الليبيون آمالهم للذهاب نحو انتخابات حقيقية تنهي حالة الانقسام، معتبرا أن “ما جرى لم يكن صدفة، بل كان قصدًا واضحًا وانصياعًا لرغبات البعثة في محطات سابقة، إذ إنها من تحدثت بداية عن هذه التعديلات”.
وأضاف أمطيريد في حديث لـ”العين الإخبارية” أن تجربة “اتفاق الصخيرات 2015” ما زالت شاهدة، حين تم الزج بنواب الدولة في جسم منتهي الصلاحية، وفتح الباب أمام مسارات موازية أفرغت الشرعية من مضمونها، مشيرًا إلى أن مسار بوزنيقة (2024) هو الآخر كرّس خللًا أخطر، عبر منح مجلس الدولة صلاحيات تتعدى اختصاصاته وتتدخل في صلاحيات أصيلة للمجلس التشريعي، في تجاوز واضح للإرادة الشعبية ولمبدأ الفصل بين السلطات.
-
الفراغ السياسي يهدد بانفجار شامل.. ليبيا بين الانقسام والتصعيد
-
حكومة شرق ليبيا تطالب بإنهاء مهام باتيلي
وتابع أن مساري برلين وجنيف لم يكونا إلا امتدادًا لهذا النهج، واصفًا إياهما باتفاقيات كسرت روح الوطن، وأسهمت في تعميم الفوضى، من خلال دعم مليشيات تحت غطاء الديمقراطية، مؤكدًا أن الواقع أثبت أن تلك المسارات لم تنتج دولة ولا استقرارًا، بل عمّقت الانقسام وشرعنت الأمر الواقع بالقوة.
وحذّر أمطيريد من أن أي انصياع جديد لما وصفها بخرائط طريق عقيمة ومجربة يمثل إضرارًا مباشرًا بالبلاد وتهديدًا للاستقرار والأمن الوطني، معتبرًا أن مثل هذا الانصياع لا يمكن وصفه بالتفاوض، بل هو “انبطاح سياسي”، مهما حاول البعض تلميعه بشعار طاولة الحوار، وأكد أن ليبيا لا تحتاج مزيدًا من الطاولات ولا البيانات الأممية، بل تريد مسارًا وطنيًا خالصًا يحترم المؤسسات الشرعية ويصون السيادة.
يشار إلى أن “الصخيرات” وبوزنيقة وبرلين وغيرها هي مسارات مختلفة تفاوضية بين الأطراف الليبية أنتجت “اتفاقيات شكلية” لإدارة المرحلة الانتقالية وصولا للانتخابات، منذ عام 2015 وهو ما لم يحدث حتى الآن.
