باريس تشدّد القوانين.. مواجهة مفتوحة مع التغلغل التنظيمي
شرعت فرنسا في تعزيز قانون يكافح الطابع الانفصالي واستغلال الدين سياسيا، في خطوة من بين أهدافها الحد من نفوذ جماعة الإخوان.
وأصدرت الاستخبارات الفرنسية العام الماضي تقريراً يحذر من خطر جماعة الإخوان على قيم الجمهورية، مما وضع ملف الجماعة، المصنفة إرهابية في عدد من الدول، على رأس ملفات السياسة الداخلية في البلد الأوروبي.
وفي مسعى لتحرك قانوني فاعل، اعتمد وزير الداخلية لوران نونيز نسخة جديدة من قانون معمول به منذ عام 2021، من أجل إقراره بحلول نهاية عام 2026.
ويعزز القانون المعدل قدرة الدولة على حل الجمعيات، وتجميد أصولها المالية، ومنع المحتويات التي تحرض على الكراهية أو العنف، كما يشدد الرقابة على مؤسسات رعاية القُصّر.
ورأى خبراء قانونيون فرنسيون أن مشروع القانون الجديد يمثل خطوة تشريعية متقدمة لتعزيز الأمن الداخلي ومواجهة الاختراقات ذات الطابع الديني والسياسي، خاصة تلك المرتبطة بتنظيم الإخوان، مع توقعات بإثارة نقاشات قانونية عميقة حول حدوده وتأثيراته على الحريات العامة.
واعتبر الخبراء أن مشروع القانون يشكل أداة ضرورية لحماية الدولة من التهديدات غير التقليدية التي تستغل الدين غطاءً للتأثير السياسي والاجتماعي.
الوعد
وقالت صحيفة “ويست فرانس” الفرنسية إن مشروع القانون، الذي وعد به الرئيس إيمانويل ماكرون في يوليو/ تموز، عُرض على مجلس الدولة لإبداء الرأي، ومن المتوقع عرضه على مجلس الوزراء قبل نهاية الشهر.
ما الجديد؟
يسعى مشروع القانون إلى سد الثغرات التي حددها التشريع الحالي. وأشار وزير الداخلية في مقابلة مع قناة “بي إف إم” التلفزيونية الفرنسية إلى إمكانية حل بعض الكيانات، وتجميد الأصول المالية، وحظر المنشورات التي تتضمن دعوات للكراهية أو العنف أو التمييز.
التوازن
من جانبها، قالت الخبيرة الدستورية الفرنسية شارلين بيزينا، في تصريحات لـ “العين الإخبارية”، إن مشروع القانون يمثل تطوراً مهماً في الفقه القانوني الفرنسي، حيث يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية النظام العام وضمان الحريات الأساسية.
وأوضحت أن القانون الحالي لعام 2021، رغم أهميته، كشف عن ثغرات استغلتها بعض التنظيمات من خلال العمل داخل جمعيات ثقافية أو دينية، مما سمح لها بالتأثير التدريجي داخل المجتمع.
وأضافت أن توسيع صلاحيات الدولة لتشمل حل الكيانات وتجميد الأصول يمثل رادعاً فعالاً، بشرط أن يخضع لرقابة قضائية صارمة لتفادي أي تعسف محتمل.
وأكدت أن حظر المنشورات المحرضة على الكراهية يعد خطوة منطقية في ظل تصاعد الخطابات المتطرفة، مشيرة إلى أن هذا الإجراء لا يستهدف الدين، بل يواجه استغلاله لأغراض سياسية متشددة.
ورأت بيزينا أن تشديد الرقابة على المؤسسات التي تستقبل القُصّر أمر حيوي، لأن هذه الفئة قد تكون عرضة للتأثير الأيديولوجي.
حماية الجمهورية
بدوره، قال الباحث في القانون الدولي الفرنسي بيير إيمانويل ديبون لـ “العين الإخبارية”، إنه يؤيد مشروع القانون بقوة، معتبراً أنه يأتي في سياق ضروري لحماية النموذج الجمهوري الفرنسي.
وأشار إلى أن ما يعرف بـ “الاختراق الناعم” الذي تمارسه بعض التنظيمات يشكل تحدياً قانونياً معقداً؛ لأنه لا يعتمد على العنف المباشر، بل على بناء نفوذ تدريجي داخل المجتمع.
وأكد أن تمكين الدولة من تجميد الأصول وحل الجمعيات المرتبطة بأنشطة مشبوهة سيعزز فعالية الرد القانوني، خاصة إذا تم ذلك وفق معايير واضحة وشفافة.
كما شدد على أن القانون لا يستهدف فئة دينية بعينها، بل يركز على السلوكيات التي تهدد النظام العام، وهو ما يجعله متوافقاً مع مبادئ العلمانية الفرنسية.
