بوليساريو تحت الضغط الأوروبي: الصفعة تكشف ضعف الموقف السياسي
أثار تجديد المفوضية الأوروبية للاتفاق التجاري مع المغرب، بما يشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة، حالة غضب غير مسبوقة داخل جبهة بوليساريو، التي سارعت إلى مهاجمة المفوضية واتهمتها بـ”الانحياز الواضح”.
وتعتبر حدّة هذا الهجوم مؤشرا واضحاً على حجم المأزق الذي تعيشه الجبهة، وعلى إفلاس خطابها السياسي الذي لم يعد قادراً على مجاراة التحولات الأوروبية والدولية، فقرار المفوضية أصاب قيادة بوليساريو في مقتل، بعدما أكّد أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي لم تعد تأخذ خطابها بعين الاعتبار، وأن المقاربة المغربية الواقعية التي تتبناها الدول الأوروبية باتت تتجاهل مشروعاً انفصالياً فقد أرضيته السياسية والدبلوماسية باعتباره افتقاده لأي شرعية.
وجاء هجوم بوليساريو عقب مناقشة لجنة الزراعة بالبرلمان الأوروبي للتصنيف الجديد للمنتجات القادمة من العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، حيث أسقط البرلمان الأوروبي لاحقاً محاولات تعديل صفة المنشأ، وصوّت لصالح المقاربة المعتمدة من المفوضية بـ359 صوتاً. وهذا التصويت، الذي أجهض جهود لوبي الجزائر– بوليساريو داخل البرلمان الأوروبي، أكد أن المؤسسات الأوروبية باتت تتعامل بمنطق المصلحة المشتركة، لا بمنطق الاصطفاف السياسي.
وترى شخصيات صحراوية بارزة أن انفعال بوليساريو يعكس إدراكها بأن النفوذ الذي كانت تراهن عليه داخل المؤسسات الأوروبية يتآكل بسرعة، خصوصاً أن اعتماد المصطلحات الإدارية المغربية في الاتفاق التجاري يشكّل اعترافاً عملياً بالوضع القانوني القائم على الأرض، ويُبرز رسوخ المقاربة البراغماتية داخل الاتحاد الأوروبي، رغم شراسة الحملات السياسية والإعلامية التي شنّتها الجبهة وحلفاؤها.
من خطاب الاعتراض إلى لغة الهذيان السياسي
ورد فعل الجبهة مع القرار الأوروبي لم يكن مجرد اعتراض تقني، بل جاء على شكل خطابات انفعالية اعتبرها فاعلون من الأقاليم الجنوبية دليلاً على دخول بوليساريو مرحلة “هذيان سياسي”، فالجبهة، التي راكمت خيبات متتالية، باتت تواجه عزلة غير مسبوقة بعد أن رسّخ مجلس الأمن، من خلال قراراته الأخيرة وعلى رأسها القرار 2797، مبدأ الحل الواقعي القائم على الحكم الذاتي، وهو ما أضعف سردية الانفصال.
وتضاعف مأزقها بعد أن أصبحت الأمم المتحدة تعتبر الجزائر طرفاً مباشراً في النزاع، ما قلّص بشكل كبير هوامش المناورة التي كانت تستغلها الجبهة خلال العقود الماضية.
ويشير خبراء إلى أن محاولة بوليساريو تصوير الاتفاق التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي كـ”تجاوز للشرعية الدولية” ليست إلا غطاءً لعجزها المتزايد عن التأثير في مسار النقاش داخل أوروبا، خصوصاً بعدما اعتمدت المؤسسات الأوروبية نهجاً يركّز على الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي، بدل الانخراط في نزاعات مفتعلة لا تمتلك أي أفق عملي.
وتأتي انتقادات بوليساريو في وقتٍ تشهد فيه الدبلوماسية المغربية واحدة من أكثر مراحلها قوة خلال العقد الأخير، بعدما نجحت الرباط في تفكيك شبكات الدعم الدولية التي كانت تعتمد عليها الجبهة.
وفي ظل توسع الشراكات الإستراتيجية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وخاصة في مجالات الطاقة والانتقال الأخضر وسلاسل التوريد، باتت المؤسسات الأوروبية تنظر إلى الأقاليم الجنوبية باعتبارها جزءاً من منظومة اقتصادية ناشئة، لا منطقة نزاع مفتوح كما تروّج الجبهة.
ويرى متابعون أن هذا التغيير في المقاربة الأوروبية أجهز على الدعاوى الانفصالية للجبهة، التي باتت تدرك أن الطرح الانفصالي مجرد وهم سياسي لا يجد سنداً لدى القوى الغربية الكبرى، خصوصاً بعد تراكم مشاريع التنمية والبنى التحتية الكبرى في الأقاليم الجنوبية، والتي تعكس واقعاً مادياً يناقض خطاب “الفراغ” الذي راكمته الجبهة لعقود.
وفي السياق ذاته، اختار البرلمان الأوروبي عدم الانخراط في محاولات التشويش على العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، مؤكداً أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية باتت الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق. كما شدد التصويت الأخير على أهمية الحفاظ على الاستقرار القانوني للاتفاقيات التجارية، وعدم السماح بتحويل مؤسسات الاتحاد إلى منصات للتجاذب السياسي الذي تغذّيه أطراف خارجية.
مشروع يتقدم وآخر ينهار
وتؤكد المعطيات أن غضب بوليساريو الأخير ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل علامة على أزمة وجودية تهدد بنيتها وتماسكها، فقرار المفوضية الأوروبية لم يكن مجرد خطوة تجارية، بل صفعة دبلوماسية أنهت آخر أوهام الجبهة بشأن نفوذها داخل أوروبا.
وبينما تتوسع المكاسب المغربية إقليمياً ودولياً، تجد بوليساريو نفسها في مواجهة عزلة متزايدة، وتراجعٍ حاد في قدرتها على التأثير، وحقيقة تتكرس يومياً: أن مشروع الانفصال فقد كل مقومات الحياة السياسية والدبلوماسية.
