بين الإصلاحات والبديل.. ميرتس يواجه تحديات سياسية متزايدة
يواجه المستشار الألماني خياراً حاسما بعد خسائر صعبة بانتخابات محلية، على الاختيار بين إعادة صياغة حملة الإصلاح أو المخاطرة بالسقوط.
وأقر ميرتس بأن رفض الناخبين لحملته الإصلاحية كان جزءاً كبيراً من مشكلة حزبه ومع ذلك، لم يطرح خطة واضحة للتعامل مع هذا الوضع
جاء ذلك بعد أسوأ هزيمة انتخابية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب، وتحقيق حزب “البديل من أجل ألمانيا”من أقصى اليمين، فوزه الثاني في انتخابات محلية في غضون أسبوعين.
وفي حين أظهر قادة “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” تكاتفاً علنياً حول ميرتس وحملته الإصلاحية، تتزايد المخاوف الداخلية من أن قيادته تدفع الحزب بسرعة نحو الانهيار، وذلك وفقا لتحليل نشرته مجلة “بوليتيكو” الأمريكية.
لا بدائل مناسبة
وأشارت “بوليتيكو” إلى أن قادة الحزب ليس لديهم خيارات تذكر، فمحاولة طرح بديل لميرتس تنطوي على مخاطر كبيرة وتثير انقساماً حاداً، في وقت يتصدر فيه حزب “البديل من أجل ألمانيا” استطلاعات الرأي، وتواجه فيه أوروبا تهديدات روسية.
وألمح ميرتس إلى إدراكه لحجم القلق السائد داخل حزبه لكنه لم يقدم سوى وعد بوضع خطة وأشار إلى أنه حدد مواعيد لاجتماعات مع قادة الحزب ورؤساء حكومات الولايات في الأيام المقبلة لمناقشة كيفية رسم مسار جديد.
وأضاف “نريد المضي قدماً في عملية الإصلاح، لكننا نعلم أيضاً أننا مدينون للناس بإجابات حول مخاوفهم وهواجسهم.. فالكثيرون قلقون بشأن وظائفهم وعائلاتهم ودخلهم التقاعدي والرعاية الصحية.. إنها المهمة التاريخية للائتلاف هنا في برلين وللتيار السياسي الوسطي ككل أن نعد بلادنا لمواجهة كل هذه التحديات في السنوات المقبلة”.
ويرى خبراء اقتصاديون، أن الإصلاحات التي يسعى إليها ميرتس مثل إعادة هيكلة أنظمة التقاعد والرعاية الصحية العامة لجعلها أكثر استدامة في ظل شيخوخة السكان المتسارعة وارتفاع التكاليف بشكل هائل، تعد أمراً جوهرياً لاستعادة القدرة التنافسية لألمانيا.
وتجنبت الحكومات السابقة إجراء هذه الإصلاحات بسبب المخاطر السياسية المرتبطة بها، إلا أن ميرتس تبنى هذه المهمة وأطلق على نفسه لقب “مستشار الإصلاح”، معتبراً أنه يتصدى لمهمة تاريخية توازي في أهميتها إعادة بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن الناخبين ينظرون بشكل سلبي إلى مساعي الإصلاح وأسلوب ميرتس الذي يتسم بنبرة “الوعظ”. ففي أواخر شهر أغسطس/آب، أظهر استطلاع للرأي أجرته “مؤسسة هانس بوكلر” (التابعة لاتحاد النقابات العمالية الألماني) أن نحو 81% من المشاركين يشعرون بالقلق إزاء أمنهم المالي نتيجة لتوجه الحكومة نحو الإصلاح، وأن 42% من المشاركين قلصوا إنفاقهم الاستهلاكي بسبب تلك المخاوف.
ويقر قادة الحزب الديمقراطي المسيحي بهذه المشكلة الآن، إذ قالت كارين برين، وزيرة التعليم عن الحزب “حاليا لا يحظى برنامجنا بجاذبية لدى الكثير من الناس”، لكنها أكدت في الوقت نفسه على أنه لا مفر من الإصلاحات.
والإثنين الماضي، سعى ميرتس مجدداً لتبديد التكهنات بشأن تنحيه فيما يعرف بـ”تبادل المستشار”، وقال “لم يطرح أحد أي أسئلة تتعلق بالأشخاص أو المناصب، ناهيك عن الدخول في نقاش حول قضايا الموظفين أو القيادة”.
مخاطر التغيير
وكانت برين من بين قادة الحزب الذين أعلنوا تأييدهم ووحدتهم خلف القيادة علناً، لكن تأييدها للمستشار لم يكن حماسياً أو قوياً بالقدر الكافي.
وأشارت إلى أن ميرتس سيستمر في منصبه نظراً لعدم توصل الحزب إلى اتفاق بشأن من سيتولى القيادة.
وتوقع مسؤولان في الحزب الديمقراطي المسيحي لـ”بوليتيكو”، أن تتسم الاجتماعات المرتقبة لقادة لحزب بالتوتر، لكنهما أكدا أن منصب ميرتس يظل آمناً طالما عجز منتقدوه داخل الحزب عن الاتفاق على المرشح الأنسب لخلافته.
وقال أحد المشرعين المحافظين “من السهل دائماً توجيه الانتقادات، ولكن بعد ذلك، يجب أن تكون قادراً أيضاً على طرح البديل أو الخطوة التالية؛ وهنا عادةً ما يسود الصمت سريعاً”.
وبالنسبة للعديد من المحافظين، فإن محاولة السعي لتولي القيادة في ظل حالة عدم الاستقرار العالمي العميق هذه، تنطوي على مخاطرة كبيرة، فقد تؤدي هذه الخطوة إلى انتخابات مبكرة أو تعزيز قوة حزب “البديل من أجل ألمانيا” الذي بات الحزب الأكثر شعبية في البلاد، وفقاً لاستطلاعات الرأي.
وحتى لو تمسك ميرتس بالسلطة على المدى القصير، فإن تحديات انتخابية أخرى تلوح في الأفق؛ فمع وجود خمس انتخابات إقليمية مقررة العام المقبل في أنحاء ألمانيا، يتعين على المستشار وحزبه تغيير المسار وتحسين الأوضاع بسرعة.
وهذا ما يجعل مسألة كيفية إعادة ميرتس صياغة مساعيه الإصلاحية أمراً بالغ الأهمية غير أن مهمة تمرير الإصلاحات لن تكون سهلة، خاصة وأن ائتلاف ميرتس لا يتمتع سوى بأغلبية 12 صوتاً في البرلمان (البوندستاغ)، مما يجعله عرضة للخطر حتى في حال حدوث انشقاق بسيط.
وبحسب شركاء ميرتس في الائتلاف من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (يسار الوسط) فإنهم سيواصلون الحكم بالتحالف مع المحافظين لكنهم ألمحوا إلى أنهم سيطالبون بمقابل إضافي.
وقال لارس كلينغبيل، المسؤول البارز في الحزب “إذا رأى مواطنو بلادنا أن الإصلاحات تهدد حياتهم ولا تؤدي إلا إلى التدهور، فإن الأمر لا يتطلب تحسين أسلوب تواصلنا فحسب، بل يتطلب أيضاً مراجعة جوهر الإصلاحات ذاتها”.
