بين البقاء والانسحاب.. ماذا تخطط واشنطن لمناطق شرق الفرات؟
ذكرت صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ الأميركية نقلًا عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن الولايات المتحدة تدرس سحب جميع قواتها المنتشرة في سوريا، والبالغ عددها نحو ألف جندي، في خطوة قد تمثل تحولًا لافتًا في السياسة العسكرية في المنطقة إذا ما تأكدت رسميًا، فيما يطرح هذا الاحتمال تساؤلا حول ما اذا كانت واشنطن قد قررت التخلي عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وبحسب التقرير، فإن الخطط لا تزال قيد الدراسة ولم يصدر إعلان رسمي نهائي بشأنها، ما يشير إلى أن القرار لم يُحسم بعد على المستوى السياسي والعسكري. ويأتي تداول هذه المعلومات في وقت تشهد فيه الساحة السورية توازنات دقيقة تتداخل فيها حسابات أمنية وإقليمية ودولية، ما يجعل أي تغيير في حجم الوجود العسكري الأميركي عاملًا مؤثرًا في معادلة القوى على الأرض.
ولم تتمكن وكالة رويترز حتى الآن من التحقق من صحة ما أوردته الصحيفة، وهو ما يضفي قدرًا من الحذر على التعامل مع المعطيات المتداولة، خصوصًا في ظل حساسية الملف السوري وارتباطه بملفات أوسع تتعلق بمحاربة التنظيمات المتطرفة وضمان الاستقرار في مناطق شمال وشرق البلاد.
ويرى مراقبون أن احتمال الانسحاب الكامل، إن تم، قد يعكس توجهًا داخل بعض دوائر صنع القرار الأميركي لإعادة تقييم الانتشار العسكري الخارجي وتركيز الموارد على أولويات استراتيجية أخرى، بينما يعتبر آخرون أن مثل هذه الخطوة قد تثير تساؤلات حول مستقبل التوازنات الأمنية في سوريا، ولا سيما في المناطق التي لعبت فيها القوات الأميركية دورًا في دعم شركاء محليين ومراقبة تحركات الجماعات المسلحة.
ويشير خبراء إلى أن أي انسحاب محتمل لا يُقرأ بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، حيث تتشابك في الملف السوري مصالح قوى متعددة، ما يجعل قرارًا من هذا النوع ذا تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا السورية إلى حسابات النفوذ في الشرق الأوسط عمومًا. كما أن توقيت التسريبات الإعلامية قد يكون جزءًا من اختبار ردود الفعل أو تمهيدًا لخطوة سياسية لاحقة، وهو أمر معتاد في الملفات الاستراتيجية الحساسة.
ويبقى التقرير في إطار المعلومات غير المؤكدة رسميًا، لكن مجرد طرح احتمال سحب القوات الأميركية بالكامل يسلط الضوء على مرحلة مراجعة محتملة في الاستراتيجية الأميركية، ويعيد إلى الواجهة التساؤلات حول شكل الدور الأميركي المقبل في سوريا وحدود حضوره العسكري في المنطقة خلال المرحلة القادمة.
ويمكن قراءة أي انسحاب أميركي محتمل من سوريا بعدة زوايا تحليلية، لكن لا يمكن الجزم تلقائيًا بأنه تخَلٍّ مباشر عن دعم قوات سوريا الديمقراطية حتى لو بدا الأمر كذلك ظاهريًا، إذ أن المشهد أقرب إلى إعادة ترتيب للأدوار منه إلى انسحاب من المشهد.
وإذا صحّ الانسحاب الكامل فسيُفسَّر بلا شك لدى كثيرين كإشارة تراجع في الالتزام الأميركي تجاه حلفائها المحليين، خاصة أن هذه القوات كانت رأس الحربة في الحرب ضد تنظيم داعش بدعم عسكري واستخباراتي أميركي، ما يعني أن غياب القوات الأميركية ميدانيًا قد يخلق فراغًا أمنيًا ويزيد الضغوط العسكرية والسياسية عليها.
ومع ذلك، ثمة قراءة أخرى أقل حدّة تفيد بأن الخطوة المحتملة قد لا تعني تخليًا بقدر ما تعكس إعادة تموضع، إذ سبق لواشنطن أن خفّضت وجودها العسكري في مناطق مختلفة من دون أن تنهي دعمها السياسي أو الاستخباراتي لشركائها، ما يرجّح احتمال انتقال العلاقة إلى نمط دعم غير مباشر بدل الحضور العسكري المباشر.
كما أن أي قرار أميركي من هذا النوع لا يُفهم عادة بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية الأوسع، حيث ترتبط تحركات واشنطن العسكرية بإعادة توزيع الموارد وتحديد الأولويات العالمية، الأمر الذي قد يدفعها إلى تقليص انتشارها في ساحات ترى أنها لم تعد تتطلب وجودًا كبيرًا بعد تحقيق أهداف رئيسية مثل إضعاف التنظيمات المتطرفة.
وفي الوقت نفسه، لا يُستبعد أن تكون تسريبات الانسحاب جزءًا من أدوات الضغط السياسي، سواء لدفع حلفاء محليين إلى ترتيبات جديدة أو لإرسال رسائل إلى أطراف إقليمية ودولية بشأن موازين القوى، وهو أسلوب معتاد في إدارة الملفات الحساسة. وبذلك، فإن تحقق الانسحاب إن حدث سيُفسَّر لدى البعض كابتعاد أميركي عن شركائها، لكنه لا يعني بالضرورة إنهاء العلاقة أو وقف الدعم، بل قد يشير إلى تحول في شكله وآلياته مع بقاء جوهره قائمًا ضمن معادلة مصالح أوسع تحكم السياسة الأميركية في المنطقة.
