أوروبا

تحقيقات تكشف أساليب التأثير داخل دوائر مجتمعية في باريس


في ضواحي «سين سان دوني» بباريس، حيث تتشابك التعقيدات الديموغرافية مع طموحات الإسلام السياسي، ظهر شبح الإخوان في مكان غريب.

ففي قلب العاصمة الفرنسية باريس، وتحديدا في مدينة “لو بورجيه”، لم يكن انعقاد الدورة الأربعين للتجمع السنوي للمسلمين في فرنسا مجرد تحد -كما أرادته الجماعة ضمنيا- ضد الحظر الأولي، بل كان أيضا بمثابة لمحة كاشفة لما يصفه بعض المراقبين بـ”التغلغل الصامت” لشبكاتها في أنحاء أوروبا.

«سوق للتطرف»

بحسب  صحيفة “أتالايار” الإسبانية، فإنه خلف واجهة الحدث الثقافي والديني في معرض باريس الجوي (عقد من 3-6 أبريل/نيسان الجاري)، كشفت التقارير الميدانية عما يمكن تسميته بـ”سوق للتطرف”.

وفي تلك السوق، تقول الصحيفة إن رائحة الكتب امتزجت بسُمّ أيديولوجية عابرة للحدود، كاشفة عن وجه لا يمت بصلة إلى خطاب الاندماج الذي قُدم للمسؤولين في قصر الإليزيه.

ولم تكن الكتب المعروضة مجرد تفسيرات قانونية، بل كانت بمثابة “بيان” حقيقي للقطيعة مع القيم الأوروبية، حيث وثّق ناشطون وصحفيون وجود أعمال تدعو صراحة إلى تقويض السلم الاجتماعي عبر دعوات لإعدام المرتدين والمثليين، وتجريد “الآخر” غير المسلم من إنسانيته.

وأيضا العداء تجاه المرأة من خلال تبرير زواج الأطفال، والدفاع عن الخضوع المطلق، واستخدام لغة مهينة تجاه النساء الأوروبيات.

كما لاحظوا أيضا وجود أعمال تدعو إلى ما يسميه الإخوان بتصدير “الثورة”، حيث يشير الحضور الملحوظ لكتابات إيرانية تدعو إلى تحالف أيديولوجي براغماتي يتجاوز الانقسامات الطائفية التقليدية لمهاجمة النسيج الغربي.

أخطبوط يسلخ جلده

تؤكد تقارير أمنية، من بينها تقرير صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية في مايو/أيار 2025، أن جمعية “مسلمو فرنسا” ليست سوى نسخة “معدلة وراثيا” من “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا”، واجهة الإخوان بالبلاد.

وبحسب الصحيفة، لم تعد هذه الشبكة مقتصرة على المساجد، بل أنشأت “نظاما بيئيا” موازيا يشمل التعليم الموازي من خلال مدارس وجامعات تقدم برامج تشجع على “عزلة” الأجيال الشابة.

وأيضا التمويل العابر للقارات، عبر تدفقات مالية يُزعم أنها قادمة من دول شرق أوسطية معروفة بتمويل الحركات الإسلاموية، تدعم هذه البنية التحتية.

كما يشمل الغطاء الأوروبي من خلال التنسيق مع “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” لإضفاء الشرعية على نمط حياة ينفصل بشكل متزايد عن قوانين الدول المضيفة.

“الإسلاموية الصامتة”: التغيير من القاعدة

يرى خبراء الحركات الإسلامية أن ما حدث في لو بورجيه تطبيق عملي لاستراتيجية “الإسلاموية السرية”، القائمة على ركيزتين:

أولاً: سلاح “الإسلاموفوبيا”: استخدام قوانين الحقوق الأوروبية لتصنيف أي نقد على أنه “خطاب كراهية”، مما يخلق حماية مصطنعة للمتطرفين.

ثانيا: “التغلغل”: اختراق المؤسسات المحلية والرياضية والتعليمية لإعادة تعريف هوية جيل جديد من المسلمين الأوروبيين وفقا لرؤية جماعة الإخوان.

صحوة بروكسل

أعاد صدى أحداث لو بورجيه إشعال الدعوات السياسية لسياسة “عدم التسامح مطلقا”.

فبعد تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية في يناير/كانون الثاني الماضي على دعوة الاتحاد الأوروبي لتصنيف الإخوان منظمة إرهابية، يبدو أن القارة بدأت تدرك أن التحدي ليس مجرد مسألة أمنية بالمعنى العسكري، بل هو أيضا مسألة وجودية للقيم العلمانية.

وتخلص الصحيفة إلى أن مواجهة هذا “الغزو” تتطلب أكثر من مجرد قرارات إدارية أو إلغاء فعاليات؛ بل تستلزم معركة فكرية شاملة ودعما حقيقيا للحركات الإصلاحية داخل الإسلام الأوروبي التي ترفض استغلال الدين لأغراض سياسية عابرة للحدود.

وحذرت من أن تجاهل “السموم” التي تحويها كتب “لو بورجيه” اليوم قد يؤدي غدا إلى انقسام اجتماعي لا يمكن إصلاحه.

زر الذهاب إلى الأعلى