إقتصاد

تداعيات الحرب ترهق معيشة الإيرانيين وتفاقم الأزمة الاقتصادية


كشفت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني أن الحرب أدت إلى مزيد تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تئن تحت وطأتها البلاد، في وقت يدفع فيه ملايين الإيرانيين ثمن المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة مع تسارع التضخم وتراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر، بينما تواجه الحكومة صعوبة متزايدة في احتواء الانهيار الاقتصادي وسط استمرار العقوبات وتراجع الإيرادات النفطية.

وبلغ معدل التضخم السنوي المتوسط خلال الأشهر الأخيرة 66 بالمئة، بينما ارتفعت الأسعار خلال شهر واحد فقط بنسبة 3.1 بالمئة، وهي مستويات تعكس تسارعاً غير مسبوق في وتيرة الغلاء، وفق هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.

ولا تعني هذه الأرقام مجرد ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، بل تشير إلى تراجع سريع في مستوى المعيشة، خصوصاً لدى الشرائح الفقيرة ومتوسطة الدخل التي باتت الأكثر تضرراً من الأزمة، حيث تظهر البيانات الرسمية أن التضخم بلغ 73.5 بالمئة لدى الأسر الأقل إنفاقاً، مقابل 63.9 بالمئة لدى الفئات الأعلى دخلاً، بما يؤكد أن الفقراء يتحملون العبء الأكبر من موجة الغلاء.

ويرى خبراء أن الحرب لم تكن السبب الوحيد للأزمة، لكنها سرعت انهيار الاقتصاد الذي يعاني أصلاً من سنوات طويلة من العقوبات الغربية، وضعف الاستثمار، واختلالات هيكلية في المالية العامة.

ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية مطلع العام، تعرضت منشآت للطاقة والبنية التحتية لأضرار مباشرة، كما تراجعت قدرة البلاد على إنتاج الغاز والكهرباء، الأمر الذي انعكس على النشاط الصناعي والإنتاج المحلي، ودفع السلطات إلى فرض انقطاعات متكررة للكهرباء على المصانع، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف السلع.

كما أدت الحرب إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن زيادة الإنفاق العسكري، وهو ما استنزف الموارد المالية للدولة في وقت تتراجع فيه الإيرادات العامة.

ومن أبرز العوامل التي سرعت التضخم التراجع الحاد في قيمة الريال الإيراني، إذ أدى ضعف العملة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة والمواد الأولية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والمنتجات الصناعية.

ومع اعتماد قطاعات واسعة على الواردات أو المواد الخام المستوردة، أصبح أي انخفاض جديد في قيمة الريال يترجم تلقائياً إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، لتدخل البلاد في حلقة تضخمية يصعب كسرها.

وتواجه الحكومة الإيرانية أيضاً اتساعاً في عجز الموازنة نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية والضريبية، الأمر الذي دفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على التوسع النقدي وتمويل الإنفاق عبر البنك المركزي.

ويحذر خبراء من أن ضخ المزيد من السيولة في الاقتصاد دون زيادة مماثلة في الإنتاج يؤدي إلى تغذية التضخم، ويضعف الثقة بالعملة الوطنية، ويزيد الضغوط على الأسواق، في دائرة يصعب وقفها في ظل استمرار التوترات الأمنية.

ومع تسارع التضخم، تتراجع القدرة الشرائية للأسر بصورة متواصلة، إذ لم تعد الزيادات في الأجور قادرة على مواكبة الارتفاع القياسي في الأسعار، ما أدى إلى تآكل دخول الموظفين والعمال والمتقاعدين.

وباتت الأسر الإيرانية تخصص جزءاً أكبر من دخلها لتأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والسكن والطاقة، بينما تتراجع قدرتها على الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والسلع المعمرة، وهو ما يعمق الضغوط الاجتماعية ويزيد معدلات الفقر.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى انكماش إضافي للطبقة الوسطى، التي شكلت تاريخياً ركيزة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في إيران، مع انتقال أعداد متزايدة من الأسر إلى دائرة الهشاشة الاقتصادية.

ولا تقتصر آثار الأزمة على المستهلكين، بل تمتد إلى الشركات والمصانع التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، وصعوبة في الحصول على المواد الخام والطاقة، فضلاً عن محدودية الوصول إلى التمويل.

كما تؤدي انقطاعات الكهرباء والغاز إلى تعطيل خطوط الإنتاج، وتقليص ساعات العمل، وخفض الصادرات غير النفطية، وهو ما ينعكس سلباً على فرص العمل والدخل القومي.

وتجد الحكومة الإيرانية نفسها أمام معادلة معقدة، فهي مطالبة بزيادة الإنفاق الاجتماعي للتخفيف من آثار الأزمة، وفي الوقت نفسه تواجه ضغوطاً مالية حادة تحد من قدرتها على تقديم الدعم أو ضبط الأسواق.

ويرى محللون أن أي تعافٍ اقتصادي سيظل رهناً بعودة الاستقرار الأمني، واستعادة قطاع الطاقة كامل طاقته الإنتاجية، والحد من تراجع العملة الوطنية، إلى جانب معالجة الاختلالات المالية والهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد منذ سنوات.

وفي ظل استمرار تداعيات الحرب والعقوبات، تبدو كلفة المواجهة أكبر من أن تُقاس بالخسائر العسكرية وحدها، إذ أصبحت تنعكس مباشرة على حياة الإيرانيين اليومية، مع ارتفاع الأسعار بوتيرة قياسية، وتآكل الدخول، واتساع رقعة الفقر، بما ينذر بأن الثمن الاجتماعي والاقتصادي للحرب قد يكون الأطول والأكثر إيلاماً.

زر الذهاب إلى الأعلى