إيران

تصعيد إيراني في سوق الطاقة.. النفط مهدد ببلوغ 200 دولار


دخل الصراع المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة جديدة أكثر خطورة مع انتقال طهران إلى ما يمكن وصفه بـ”حرب الطاقة”، بعد أن وسعت هجماتها لتشمل السفن التجارية وناقلات الوقود في الخليج ومضيق هرمز، ملوّحة بإحداث صدمة نفطية عالمية قد تدفع أسعار الخام إلى حدود 200 دولار للبرميل.

وفي تصعيد واضح للضغط الاقتصادي على الغرب، قال إبراهيم ذو الفقاري المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء العسكري في طهران، إن على العالم الاستعداد لوصول سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل، محمّلا الولايات المتحدة مسؤولية زعزعة الأمن الإقليمي.

وأضاف في رسالة موجهة إلى واشنطن أن استقرار أسواق الطاقة مرتبط بالأمن في المنطقة، معتبرا أن العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران هي التي تدفع الأسواق نحو اضطراب غير مسبوق.

ويأتي هذا التهديد في وقت تتجه فيه المواجهة العسكرية نحو استهداف خطوط التجارة وإمدادات الطاقة العالمية، في تحول استراتيجي من الحرب التقليدية إلى الضغط الاقتصادي عبر تعطيل الملاحة البحرية في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

وتشير التقارير إلى أن الهجمات الأخيرة استهدفت عدة سفن تجارية وناقلات وقود في الخليج ومضيق هرمز، حيث تعرضت ثلاث سفن على الأقل لضربات بمقذوفات مجهولة أثناء عبورها المضيق. كما هاجمت زوارق مسلحة محملة بالمتفجرات ناقلتي وقود في المياه القريبة من العراق، ما أدى إلى اندلاع النيران في إحداهما ومقتل أحد أفراد الطاقم.

ومن بين السفن التي تعرضت للهجوم ناقلة بضائع ترفع العلم التايلاندي أصيبت بمقذوفين أثناء عبورها مضيق هرمز، ما أدى إلى حريق في غرفة المحركات وإجلاء معظم أفراد الطاقم، في حين فُقد ثلاثة بحارة يُعتقد أنهم عالقون داخل السفينة. كما تعرضت سفينة حاويات ترفع العلم الياباني لأضرار طفيفة نتيجة مقذوف أصاب هيكلها، فيما تضررت سفينة بضائع أخرى ترفع علم جزر مارشال بعد إصابتها بقذيفة في عنبر الشحن.

وترفع هذه الحوادث عدد السفن التي تعرضت لهجمات منذ اندلاع الحرب قبل نحو أسبوعين إلى ما لا يقل عن 16 سفينة، في مؤشر على أن طهران بدأت بالفعل تنفيذ استراتيجية تهدف إلى جعل الملاحة في الخليج ومضيق هرمز محفوفة بالمخاطر.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن مضيق هرمز يمر عبره نحو 20 بالمئة من النفط العالمي، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي. وقد أكد متحدث عسكري إيراني أن المضيق “بلا شك تحت سيطرة إيران”، في إشارة إلى استعداد طهران لاستخدامه كورقة ضغط رئيسية في المواجهة.

وتتحدث مصادر عن أن إيران زرعت ألغاما بحرية في المضيق، وهو ما يزيد من المخاوف من إغلاقه فعليا أو تعطيل حركة الملاحة فيه لفترات طويلة. وقد أدى هذا الوضع بالفعل إلى شبه توقف لحركة السفن التجارية، في ظل ارتفاع المخاطر الأمنية وامتناع بعض شركات الشحن عن إرسال سفنها عبر المنطقة.

وانعكس هذا التصعيد سريعا على الأسواق العالمية، إذ قفزت أسعار النفط في بداية الأسبوع إلى نحو 120 دولارا للبرميل قبل أن تتراجع إلى حدود 90 دولارا، لكنها عادت للارتفاع بنحو خمسة بالمئة مع تجدد المخاوف بشأن الإمدادات. ويخشى محللون أن يؤدي استمرار التوتر إلى صدمة نفطية شبيهة بتلك التي شهدها العالم في سبعينات القرن الماضي.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أوصت وكالة الطاقة الدولية بالإفراج عن كميات ضخمة من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية للدول المستهلكة، في أكبر تدخل من نوعه في تاريخ المنظمة. وتشمل الخطة سحب نحو 400 مليون برميل من المخزونات العالمية بهدف تهدئة الأسواق ومنع الأسعار من الارتفاع إلى مستويات قياسية.

وسارعت الولايات المتحدة إلى دعم هذا التوجه، إذ أعلن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت أن الرئيس دونالد ترامب وافق على الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي بدءا من الأسبوع المقبل، في عملية من المتوقع أن تستمر نحو أربعة أشهر.

ورغم ذلك، يرى خبراء أن هذه الكميات لن تكون كافية لتعويض أي تعطيل واسع للإمدادات عبر مضيق هرمز، نظرا لأن حجم النفط الذي يمر عبر المضيق يوميا يتجاوز بكثير الكميات التي يمكن الإفراج عنها من الاحتياطيات.

وفي موازاة التصعيد البحري، يواصل الطرفان تبادل الضربات العسكرية، فقد قصفت إيران إسرائيل وأهدافا في الشرق الأوسط بالصواريخ والطائرات المسيرة، في حين يقول البنتاغون إن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا أعنف الضربات الجوية حتى الآن ضد مواقع إيرانية.

من جهته، ألمح الرئيس الأميركي إلى أن الحرب قد تستمر لفترة أطول، مؤكدا في تجمع جماهيري في ولاية كنتاكي أن الولايات المتحدة لا تريد إنهاء العمليات قبل تحقيق أهدافها. وقال إن واشنطن “انتصرت” في الحرب لكنها لا تريد أن تضطر إلى تكرار العمليات العسكرية كل بضع سنوات، مضيفا “علينا أن ننهي المهمة”.

في المقابل، يزداد القلق الدولي من تحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة تهدد الاقتصاد العالمي، خصوصا مع تعرض موانئ ومدن في دول الخليج لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.

وقد دفعت هذه التطورات دول مجموعة السبع إلى دراسة خيار توفير حماية بحرية للسفن التجارية في الخليج لضمان استمرار حركة الملاحة، في وقت حذرت فيه طهران من أن أي تهديد لموانئها أو منشآتها البحرية سيجعل المراكز الاقتصادية والتجارية في المنطقة “أهدافا مشروعة”.

وبينما تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على تدمير البرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي، يبدو أن إيران تراهن على سلاح آخر لا يقل تأثيرا عن الصواريخ والطائرات المسيرة، وهو قدرتها على إرباك أسواق الطاقة العالمية. وفي حال نجحت في تعطيل جزء كبير من إمدادات النفط عبر الخليج، فقد يجد العالم نفسه بالفعل أمام صدمة نفطية قد تدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

زر الذهاب إلى الأعلى