سياسة

حرب محتملة في المحيط الهادئ.. استراتيجية أمريكية تقوم على الجزر والسماء


بين جزر المحيط الهادئ النائية، حيث تلتقي الجغرافيا الصامتة بتاريخ عسكري صاخب، تعيد الولايات المتحدة فتح خرائط تعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، لا لاستحضار الماضي بل لإعادة توظيفه.

مدارج أُنشئت تحت القصف قبل أكثر من سبعة عقود تعود اليوم إلى الخدمة بوصفها أصولا استراتيجية، في سياق تحول أوسع في التفكير العسكري الأمريكي إزاء صعود الصين واتساع دائرة التنافس معها على النفوذ والقوة في الإندو-باسيفيك.

هذه العودة المدروسة تعكس تبني واشنطن لعقيدة «التوظيف القتالي المرن»، التي تقوم على تفكيك الاعتماد على القواعد الكبرى وتوسيع شبكة الانتشار الجوي عبر نقاط متعددة ومتناثرة، بحسب صحيفة «نيوزويك» الأمريكية.

فمن غوام إلى تينيان، ومن ألاسكا إلى أستراليا، تُعاد هندسة المجال الجوي الأمريكي في المنطقة كإجراء احترازي يهدف إلى تعزيز الصمود والمرونة، وتقليص مخاطر الضربة المفاجئة، في مواجهة سيناريوهات صراع لم تقع بعد، لكنها باتت حاضرة بقوة في حسابات التخطيط العسكري.

مقاتلات أمريكية

وتقود جهود إعادة الإعمار إدارة مخصصة داخل سلاح الجو الأمريكي، حيث حددت عقيدة «التوظيف القتالي المرن»(Agile Combat Employment – ACE) عشرات المطارات التي ستُستخدم لإيواء وإطلاق المقاتلات وطائرات التزوّد بالوقود جواً والأسلحة، حال اندلاع حرب مع الصين.

وتتحرك قوة ثلاثية تضم البحرية ومشاة البحرية وسلاح الجو بهدف واحد: إعادة ترسيخ الوجود في المطارات التي استُخدمت سابقاً لإيصال قوة قتالية حاسمة للولايات المتحدة خلال آخر حرب بين قوى عظمى.

وقال المقدم فرانك بلاز، كبير المهندسين والمسؤول الميداني في قوات سلاح الجو في المحيط الهادئ، في عام 2024: «أحب أن أقول إننا نعود إلى المستقبل. في إطار التوظيف القتالي المرن، ألقينا نظرة على جميع المطارات التاريخية في المحيط الهادئ التي ساعدتنا على إطلاق وتنفيذ حملات ناجحة. البناء من الصفر ليس الحل؛ فهو مكلف. إصلاح وتأهيل الموجود هو حل اقتصادي أفضل بكثير».

وكشف تحقيق أجرته مجلة «نيوزويك» حول التخطيط الأمريكي عن مراكز رئيسية جديدة تدخل الخدمة ضمن إطار عقيدة التوظيف القتالي المرن، مع احتدام التنافس العسكري مع الصين.

لماذا تُعد عقيدة ACE مهمة؟

يعتمد سلاح الجو الأمريكي منذ عقود على ممر جوي مركزي لنقل المقاتلات إلى غرب المحيط الهادئ عبر مراكز كبرى في هاواي وغوام وجزيرة أوكيناوا اليابانية. لكن في زمن الحرب، قد لا يكون الوصول إلى هذه المراكز مضموناً.

فقد نمت قدرات الصين على الضربات بعيدة المدى بوتيرة غير مسبوقة، ما يهدد بإغراق أنظمة الدفاع الصاروخي المحدودة في غوام وأوكيناوا، ويضع هاواي أيضاً في مرمى ضربات محتملة من البر الصيني.

وأشار أحدث تقرير للبنتاغون عن القدرات العسكرية الصينية، الصادر في ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى تنامي ترسانة الصواريخ الباليستية لدى «قوة الصواريخ» الصينية، التي تمثل التهديد الرئيسي للمطارات الأمريكية في المحيط الهادئ.

ويؤدي توسيع عدد المراكز والمحاور في منطقة الإندو-باسيفيك إلى مضاعفة الأهداف أمام الجيش الصيني، ما يفرض عليه مزيداً من التعقيد في قرارات التوقيت والمكان وكمية الذخائر المستخدمة.

كما يمنح ذلك القوات الأمريكية، قدرة أكبر على امتصاص الضربات الصاروخية، من خلال إتاحة الوقت لفرق الهندسة لإصلاح المدارج المتضررة، بينما تنتقل المقاتلات وطائرات التزوّد بالوقود إلى مواقع أخرى لمواصلة العمليات القتالية.

مقاتلات أمريكية

وتقوم الخطط الصينية طويلة الأمد على شن ضربات افتتاحية تشل القواعد الأمريكية وتقطع الإسناد الجوي عن الخطوط الأمامية. وتواجه الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية عبر «تهيئة مسرح العمليات» قبل اندلاع أي صراع، من خلال التموضع المسبق لمعدات الحرب، وتجهيز المدارج والساحات لاستقبال الطائرات، والاستعداد لإصلاح الطائرات المتضررة في القتال، في إطار بناء ردع قد يمنع حرباً مستقبلية، أو يتيح خوضها إذا فشل الردع.

ويخدم هذا الجهد العسكري الشامل، الممتد عبر 12 منطقة زمنية وعشرات الدول وملايين الأميال المربعة، هدف إعداد القوات الأمريكية لما قد يكون أخطر تحد أمني منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب ما قاله الكابتن توماس هـ. هيلي، قائد مركز احتياط البحرية في غريت ليكس، خلال مأدبة إحياء ذكرى بيرل هاربر في ديسمبر.

ويتوقع قادة احتياط البحرية استدعاء نحو 50 ألف عنصر خلال 30 يوماً من اندلاع حرب مع الصين حول تايوان. وأكد كبير ضباط الصف روبرت دبليو. ليونز ضرورة تفادي «بيرل هاربر» جديدة، معتبراً أن إحياء المطارات الحيوية في المحيط الهادئ يسهم في ذلك.

وقال متحدث باسم قوات سلاح الجو في المحيط الهادئ لـ«نيوزويك»: «يمكن التوظيف القتالي المرن القوة الجوية الأمريكية من العمل من مواقع متعددة وموزعة في أوقات الأزمات، ويوفر مرونة تشغيلية ويعزز صمود قواتنا في الإندو-باسيفيك».

ولإنجاح ACE، تعيد الولايات المتحدة مطارات من حقبة الحرب العالمية الثانية إلى الخدمة التشغيلية، ما يفتح المجال أمام تدفق مئات الطائرات وآلاف الأفراد عبر الممر الجوي المركزي في زمن الحرب. وقد أثارت هذه الاستعدادات غضب بكين.

وقال متحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن لـ«نيوزويك»: «يُبالغ بعض الأمريكيين على الدوام فيما يسمى بـ(التهديد الصيني). التفكير بعقلية الحرب الباردة والمواجهات التكتلية وألعاب المحصلة الصفرية غير مقبول ولن يؤدي إلى شيء. ستدافع الصين بحزم عن سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية، وستحافظ بصدق على السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي».

نورث فيلد: مركز جديد للقوة الجوية

سيخدم مطار «نورث فيلد»، المهجور في جزيرة تينيان بجزر ماريانا الشمالية، كأحد المراكز الجديدة المكملة لقاعدة أندرسن الجوية في غوام، حيث أُعيد أيضاً بناء «نورث ويست فيلد» لصالح مشاة البحرية.

وستعمل هذه المواقع جنباً إلى جنب مع عشرات المطارات الفرعية الأخرى في سلسلة الجزر الثانية ومنطقة المحيط الهادئ الأوسع، كمصادر رئيسية لتوليد القوة القتالية.

في ذروة الحرب العالمية الثانية، كان «نورث فيلد» يضم أكثر من 230 قاذفة B-29 عبر أربعة مدارج نشطة، ما جعله أكبر مطار في العالم آنذاك. وبعد 80 عاماً، تعمل وحدات هندسية من البحرية وسلاح الجو ومشاة البحرية على ترميم المدارج وممرات التاكسي ومناطق الوقوف وفق مواصفات عام 1945، مع تحديث المرافق لاستيعاب طائرات حديثة، بما فيها طائرات الشحن الكبيرة والمقاتلات من الجيل الخامس والطائرات غير المأهولة المرافقة.

وتقود عملية الإحياء وحدات متخصصة تُعرف باسم «مهندسي سرب الإصلاح الثقيل القابل للنشر السريع» (RED HORSE)، بدعم من كتائب البناء البحرية «سيبيز». ومن المتوقع عودة المطار للخدمة بحلول عام 2027، وهو العام الذي يرى مسؤولون أمريكيون أن احتمالات التحرك العسكري الصيني ضد تايوان ستكون في ذروتها.

الممر الجوي المركزي

تشمل المشاريع الجارية إنشاء مطارات فرعية إضافية في جزر عدة لدعم مراكز غوام وتينيان، وإعادة هذه الجزر إلى دورها في الحرب العالمية الثانية كمحطات إمداد حيوية. كما تمتد التوسعات إلى الفلبين وميكرونيزيا وبالاو، إضافة إلى تطوير ممر جوي شمالي في ألاسكا وجنوبي عبر أستراليا.

ألاسكا: الممر الجوي الشمالي

تجري أعمال في قواعد عدة بألاسكا لإعدادها كمواقع ACE، من بينها قاعدة إلمندورف–ريتشاردسون، وقاعدة إيلسون، ومطارات تاريخية من حقبة الحرب العالمية الثانية، بما يعزز قدرة الولايات المتحدة على نقل القوة الجوية إلى المحيط الهادئ في زمن الحرب.

أستراليا: الممر الجوي الجنوبي

في حال نشوب صراع أمريكي–صيني حول تايوان، ستلعب أستراليا دوراً محورياً كمركز كبير لتدفق الطائرات القتالية. وتستضيف بالفعل قوات أمريكية بالتناوب، وتشارك في برامج صاروخية متقدمة، إضافة إلى مناورات «تاليسمان سابر» متعددة الجنسيات.

وفي حال اندلاع نزاع، يمكن للطائرات الأمريكية الوصول إلى أستراليا عبر عشرات المطارات في الممر الجوي المركزي، ثم التقدم للتمركز الأمامي في الفلبين أو جنوب شرق آسيا أو المحيط الهندي.

زر الذهاب إلى الأعلى