سياسة

خلف الأبواب المغلقة في ميونخ.. كيف تُصاغ التفاهمات الدولية؟


يحل مؤتمر ميونخ هذا العام في وقت يشهد فيه العالم أزمات جمة وتتغير فيه قواعد اللعبة سواء على مستوى النظام الدولي أو مناطق عدة.

في هذا السياق، تبرز أهمية الدبلوماسية السرية في دهاليز المؤتمر، حيث يحصل الحلفاء والخصوم على فرصة لعقد لقاءات جانبية، ونقاشات مهمة، سواء في غرف مغلقة أو على سلالم “فندق بيرنشه هوف”.

وعلى مدار 3 أيام، في منتصف فبراير/شباط من كل عام، يلتقي العشرات من قادة الدول والحكومات، إضافة إلى وزراء الدفاع، في فندق بيرانشه هوف الشهير، في مدينة ميونخ، جنوبي ألمانيا، لاستعراض الملفات الأمنية الملحة بالعالم عبر جلسات ونقاشات مفتوحة. 

بيد أن الأمر لا يتوقف عند ذلك، فخلف الأبواب المغلقة في الفندق الشهير تُجرى لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى على هامش البرنامج الرسمي للمؤتمر، لقياس المواقف والوقوف على الأرضية المشتركة في القضايا الدولية الملحة، وأحيانا إبرام اتفاقات دولية مهمة.

مفاوضات

وكما في العقود الستة الماضية، سيخضع المؤتمر بأكمله وجميع مكوناته لما يعرف بـ”قاعدة ميونخ”، التي تعني المشاركة والتفاعل بين جميع المشاركين، فالأمر لا يقتصر على إلقاء الكلمات أو التصريحات الصحفية، بل تقوم الفعاليات على أساس من التفاعل والتعلم التبادلي بين المشاركين، عبر الإجابة على الأسئلة المختلفة، وإجراء المحادثات الثنائية.

وتجمع نسخة العام الجاري من مؤتمر ميونخ، التي تتزامن مع مرور 4 أعوام على حرب أوكرانيا، أكثر من 450 من صناع القرار رفيعي المستوى وقادة الرأي البارزين من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك رؤساء الدول والوزراء وقادة المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، وكذلك القادة من قطاع الأعمال والإعلام والبحوث والمجتمع المدني.

كما يشارك بها العديد من قادة الدول الكبرى، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ما يفتح الباب أمام الكثير من الدبلوماسية خلف الأبواب المغلقة.

“أجواء مثالية”

وبالتوازي مع البرنامج الرسمي لمؤتمر ميونخ يقع خلف الأبواب المغلقة عالم من الدبلوماسية، تدور أنشطته في سرية تامة، ويحاول فيه المسؤولون الممثلون لدول العالم اكتشاف الأرضيات المشتركة في القضايا الدولية وبناء التحالفات والمواقف الموحدة.

ووفق الإذاعة الألمانية، فإن مكان انعقاد المؤتمر “فندق بيرنشه هوف” يحفز على مثل هذه اللقاءات السرية؛ فهو يمتد على عدة مبان متصلة بممرات، ما يفتح مجالا أمام انعقاد العديد من اللقاءات السرية المتزامنة. 

كما يتميز الفندق بزاوياه وأركانه البعيدة عن الأنظار والتي تعد مساحة مثالية لانعقاد النقاشات الدبلوماسية السرية، أو اللقاءات العابرة بين المسؤولين.

الأكثر من ذلك، يكتم السجاد الفخم في ممرات وغرف الفندق أصوات الأقدام، كما يسهل العدد الكبير من السلالم والممرات الخلفية، الوصول الخفي إلى قاعات الاجتماعات والغرف المغلقة بدون رصد، ما يجعل “بيرنشه هوف” مثاليا لعالم الدبلوماسية السرية الذي يدور على هامش الفعالية السياسية الدولية.

وعادة ما تخصص إدارة المؤتمر 100 غرفة في الفندق للاجتماعات السرية والمغلقة، على أن يستمر كل اجتماع نصف ساعة في المتوسط، حسب الإذاعة الألمانية.

“قمة جبل الجليد”

وكان رئيس مؤتمر ميونخ، الدبلوماسي المخضرم فولغانغ أشينغر، تحدث قبل سنوات عن محورية اللقاءات السرية في المؤتمر، وقال: “البرنامج الرسمي لمؤتمر ميونخ هو مجرد قمة جبل الجليد”.

فولفانغ قال أيضا “مؤتمر ميونخ يعد مكانا يتم فيه اختبار ومناقشة الأفكار الأمنية والدفاعية، وبناء التحالفات، حيث تجري التجهيزات لدفع السلام العالمي قدما”.

وكمثال على الإسهام الذي تقدمه اللقاءات السرية على هامش مؤتمر ميونخ، ذكر أشينغر اتفاقية “ستارت 2″ للحد من الأسلحة النووية” التي بدأت المفاوضات الخاصة بها على هامش مؤتمر ميونخ عام 2009.

وبعد عامين من مؤتمر 2009، تبادلت وزيرة خارجية الولايات المتحدة آنذاك هيلاري كلينتون ووزير خارجية روسيا سيرغي لافروف وثائق التصديق على الاتفاقية أيضا على هامش مؤتمر ميونخ الذي جرى عام 2011.

بيد أن المؤتمر يمكن أن يكون بابا خلفيا لتنسيق المواقف الغربية حول أوكرانيا، والنظر في إمكانية وطريقة إنهاء الحرب في البلد الذي يشهد قتالا منذ فبراير/شباط 2022، فضلا عن تنسيق المواقف الأوروبية حول الدفاع والأمن، وفق مراقبين. 

ويملك مؤتمر ميونخ تاريخا كبيرا يمتد لستين عاما، حيث تأسس عام 1963 بواسطة الباحث الألماني إيوالد فون كلايست، ومر بعدة مراحل تحول خلالها من مؤتمر لقضايا الدفاع فقط، ليكون ملتقى للسياسيين والدبلوماسيين ومنصة للقاءات الدبلوماسية السرية.

زر الذهاب إلى الأعلى