خيوط الجريمة في حرب السودان: تحقيق استقصائي يكشف كيف صُنعت المأساة من خلف الكواليس
لم يكن سكان دارفور ولا أهالي الخرطوم يتخيلون أن حياتهم اليومية ستتحول خلال أشهر قليلة إلى سلسلة متلاحقة من الوقائع التي يصعب توثيقها لشدة قسوتها. غير أن الوقائع ذاتها أصبحت اليوم المادة الأساسية التي يعتمد عليها المحققون والحقوقيون وحتى الصحفيون الذين يعملون في ظروف شديدة الخطورة. فالمشهد السوداني لم يعد مجرد حرب بين قوتين، بل ورشة مفتوحة لكشف بنية العنف، وكيف تُتّخذ القرارات التي تحوّل الأحياء السكنية إلى مناطق موت محسوب، وكيف تتحول الجثث والأحياء المدمرة إلى سجلات صامتة تكشف الكثير مما تحاول الأطراف المتحاربة إخفاءه.
التحقيقات الميدانية التي تمكن عدد من الصحفيين والناشطين من تنفيذها خلال الشهور الماضية تظهر أن الانتهاكات لم تكن نتيجة فوضى أو غياب قيادة، بل كانت جزءاً من سلسلة قرارات، بعضها ميدانيّ مباشر، وبعضها سياسيّ مرتبط بغرف التحكم خارج مناطق القتال. فشهادات الضحايا في دارفور مثلاً تكشف اتساقاً لافتاً في طريقة تنفيذ الهجمات: نفس توقيتات الاقتحام، نفس نوعية الأسلحة المستخدمة، ونفس الأسلوب في التعامل مع السكان. هذا النمط المتكرر يشي بأن العمليات لم تكن عفوية، بل جزءاً من تصور مدروس للسيطرة على مناطق بعينها واستخدام العنف المفرط كأداة لإخضاع المجتمعات المحلية.
وفي الخرطوم، حيث كان يُفترض أن تكون العاصمة أكثر أمناً وهيبة، تكشف القصص التي يجمعها الناجون عن انهيار كامل لمنطق الدولة. فهناك أحياء حوصرت لشهور من دون كهرباء أو مياه، بينما تُرك السكان يناورون بين خطوط النار للحصول على القليل من الطعام. وهو ما يشير إلى أن الأطراف المتحاربة كانت تدرك تماماً أن المدنيين هم المتضرر الأكبر، لكنها لم تتخذ، ولو لمرة واحدة، قراراً بتسهيل وصول المساعدات أو السماح بمرور قوافل الإغاثة. بل على العكس، كانت هذه القوافل تُستهدف في أكثر من مناسبة، ما يكشف أن الحرب ليست فقط قتالاً، بل حصاراً ممنهجاً.
أحد أبرز المحققين المحليين، الذي يعمل ضمن مجموعة صغيرة لتوثيق الانتهاكات في دارفور، أكد أن ما لديهم من شهادات يفوق قدرة أي منظمة دولية على التعامل معه. فالفوضى الأمنية التي تعيشها المنطقة جعلت من الصعب على المؤسسات التقليدية جمع المعلومات، بينما تمكن ناشطون محليون من دخول القرى المحروقة وتوثيق شهادات الناجين قبل أن يختفوا في موجات النزوح. بعض هذه الشهادات يتضمن تفاصيل صادمة: أوامر مباشرة من قادة ميدانيين بالهجوم على تجمعات سكانية، استخدام المدنيين كدروع بشرية، أو منع السكان من الفرار من مناطق القتال. هذه التفاصيل ليست مجرد روايات، بل عناصر أدلة قد تشكل أساساً لأي تحقيق دولي مستقبلي.
وفي الخرطوم، ظهرت ظاهرة جديدة ملفتة: توثيق الجيران لبعضهم عبر تسجيلات مصورة تكشف كيفية اقتحام المنازل أو احتلالها، أو طرق التعامل مع السكان. هذه التسجيلات، رغم عفويتها، تقدم طبقة مهمة من الأدلة التي تربط الانتهاكات بجهات محددة. ففي أكثر من حالة، تظهر بوضوح مركبات مسلحة تحمل شعارات قوات بعينها، أو عناصر يرتدون زيّاً معروفاً. وهذا النوع من التوثيق — الذي لم يكن متاحاً في النزاعات السابقة في السودان — يجعل من الصعب على الأطراف المتورطة إنكار مسؤوليتها.
كما تكشف التحقيقات أن بعض الانتهاكات في دارفور لم تكن ذات طابع عسكري فقط، بل كانت جزءاً من حملة أوسع تهدف إلى تغيير الخريطة الاجتماعية والسياسية. فإحراق القرى بشكل منهجي، واستهداف فئات بعينها، ومنع السكان من العودة إلى أراضيهم، كلها مؤشرات على أن الهدف ليس هزيمة خصم مسلح، بل تفكيك مجتمع كامل وإعادة تشكيله على نحو يخدم طرفاً بعينه. وبحسب شهادات التُقطت في مخيمات النازحين شرق تشاد، فقد صدرت تعليمات واضحة في بعض الهجمات تقضي بمنع أي شخص من العودة إلى المناطق التي غادرها، حتى لو انتهى القتال.
في المقابل، يحاول الطرفان المتحاربان استخدام روايات الضحايا في خطاباتهما السياسية، إما لتبرير العنف أو لإظهار الطرف الآخر بمظهر المعتدي الوحيد. هذه الاستراتيجية تضع الصحفيين المحايدين في خطر دائم، إذ تُعتبر أي محاولة لعرض الحقائق تهديداً لصورة الأطراف المتحاربة. عدد من الصحفيين تعرضوا للتهديد، وآخرون فُقدوا أثناء محاولتهم الخروج من الخرطوم أو دارفور بمقاطع مصورة أو شهادات صوتية. وهذا ما أدى إلى اتساع دائرة التحقيقات السرية، حيث أصبحت المعلومات تُجمع وتُنقل عبر شبكات صغيرة بعيداً عن الأنظار.
لكن رغم المخاطر، يستمر الباحثون في كشف ما أمكن من خيوط القصة الكبرى: من اتخذ القرار؟ كيف نُفّذ؟ وما حجم التواطؤ السياسي الذي سمح باستمرار الانتهاكات؟ التحقيقات تشير إلى وجود مستويات متعددة للقيادة، بعضها ظاهر، وبعضها يعمل في الظل، في تداخل معقد بين المصالح الاقتصادية والعلاقات الإقليمية. فالحرب لم تبدأ فجأة، بل كانت نتيجة تراكمات من التنافس داخل الدولة، وصراعات على الموارد، ونفوذ خارجي يسعى إلى موطئ قدم في السودان.
الضحايا، الذين كانوا يُعتبرون مجرد “أضرار جانبية”، باتوا اليوم يشكلون الخيط الأكثر ثباتاً في التحقيقات. فقصصهم تكشف الترابط بين القرارات العليا وما يجري على الأرض. وعندما يقول أحد الناجين إن القائد الميداني أوقفه وسأله عن قبيلته قبل أن يسمح له بالهرب، فهذا ليس تفصيلاً هامشياً، بل دليل على أن الانتهاكات لم تكن بلا هدف، بل جزء من رؤية سياسية ترى في بعض الفئات تهديداً مباشراً.
ومع ذلك، فإن أكبر تحدٍّ يواجه التحقيقات هو غياب مؤسسات قادرة على تحويل هذه الأدلة إلى إجراءات قانونية. فالنظام القضائي في السودان شبه منهار، والمؤسسات الدولية تتحرك ببطء شديد، بينما تتزايد أعداد الضحايا يوماً بعد يوم. وهذا يجعل من عملية التوثيق، رغم أهميتها، مجرد خطوة أولى في طريق طويل نحو العدالة.
في النهاية، تظهر الحرب السودانية كواحدة من أكثر النزاعات تعقيداً في المنطقة، ليس بسبب تعدد الأطراف فقط، بل بسبب كثافة الأدلة التي تربط القرارات العسكرية والسياسية مباشرة بحياة المدنيين. وما لم يتم التعامل مع هذه الأدلة بجدية، فإن الضحايا سيظلون مجرد أرقام في تقارير دورية، بينما تضيع الحقيقة في صخب السجالات السياسية. لكن ما يجري على الأرض — وفق شهادات وآثار لا يمكن إنكارها — يشير إلى أن هذه الحرب ستظل محفورة في ذاكرة السودان، وأن قصص الضحايا ستكون السجل الأكثر صدقاً لمرحلة لم يعرف فيها أحد معنى الأمان.
